أخبار المنطقة

من بوابة فلسطين إلى هندسة الشرق الأوسط: هل تنجح تركيا في بناء تحالف أمني إقليمي جديد؟

تطرح تركيا رؤية سياسية وأمنية جديدة لإعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط، تقوم على إنشاء منظومة إقليمية واسعة تضم قوى مؤثرة في المنطقة، لكنها تضع في الوقت ذاته شرطاً جوهرياً أمام أي مشاركة إسرائيلية يتمثل في الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، الأمر الذي يربط مستقبل الأمن الإقليمي بحل القضية الفلسطينية باعتبارها العقدة المركزية للصراعات القائمة.

وفي تصريحات لصحيفة “نيكي آسيا”، كشف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن ملامح مشروع إقليمي يهدف إلى بناء إطار تعاون أمني وسياسي يضم تركيا وباكستان والسعودية ومصر ودول الخليج، مع إمكانية انضمام أطراف أخرى لاحقاً، بما في ذلك إيران وإسرائيل، وفق شروط ترتبط بالاستقرار الإقليمي واحترام القرارات الدولية.

رؤية أمنية

يرى فيدان أن المنطقة تمتلك اليوم فرصة لإطلاق منظومة أمنية جديدة تقودها دولها الرئيسية بعيداً عن أنماط الاعتماد التقليدية على القوى الخارجية، مشيراً إلى أن التحديات الأمنية والاقتصادية المتزايدة تستدعي بناء آليات تعاون مشتركة قادرة على احتواء الأزمات وتعزيز الاستقرار.

وبحسب الرؤية التركية، فإن هذا الإطار لا يقتصر على الجوانب العسكرية أو الأمنية، بل يمتد ليشمل التعاون الاقتصادي والسياسي، بما يسهم في خلق تكتل إقليمي قادر على التعامل مع التحولات الدولية المتسارعة وحماية المصالح المشتركة للدول الأعضاء.

وتقدم أنقرة المشروع بوصفه فرصة لتجاوز الانقسامات والصراعات المزمنة التي أنهكت المنطقة لعقود، في وقت تتزايد فيه الدعوات لإيجاد ترتيبات أمنية جديدة أكثر ارتباطًا بخصوصية الشرق الأوسط وتحدياته الداخلية.

البوابة الفلسطينية

رغم انفتاح المبادرة على إمكانية مشاركة إسرائيل مستقبلاً، فإن فيدان ربط هذا الاحتمال بشكل مباشر بحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مؤكداً أن الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة يمثل المدخل الأساسي لأي اندماج إسرائيلي في المنظومة المقترحة.

وأوضح أن الأمن الحقيقي لإسرائيل لن يتحقق من خلال القوة العسكرية وحدها، بل عبر تسوية سياسية عادلة تنهي الصراع وتمنح الفلسطينيين حقوقهم الوطنية، معتبراً أن حل الدولتين يبقى الخيار الأكثر واقعية لتحقيق الاستقرار طويل الأمد.

كما جدد الوزير التركي التأكيد على شروط أنقرة للتطبيع الكامل مع إسرائيل، وفي مقدمتها وقف العمليات العسكرية ضد الفلسطينيين، وإنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية والاحتياجات الأساسية للسكان.

وتعكس هذه المواقف تمسك تركيا بربط أي مسار للتقارب الإقليمي أو الاقتصادي مع إسرائيل بإحداث تغيير جوهري في سياستها تجاه الفلسطينيين، رغم الضغوط الدولية المتزايدة لدفع أنقرة نحو مسارات تطبيع أوسع ضمن ترتيبات إقليمية جديدة.

توازنات معقدة

وتأتي المبادرة التركية في ظل تحولات إقليمية متسارعة، أبرزها الجهود الرامية إلى تخفيف التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وهي تطورات يرى فيدان أنها قد تفتح الباب أمام تفاهمات أوسع بشأن ملفات المنطقة، وفي مقدمتها الحرب المستمرة في قطاع غزة.

وأعرب الوزير التركي عن تفاؤله بإمكانية التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، مشيراً إلى أن الوساطات الجارية بدعم من تركيا وقطر وباكستان أحرزت تقدماً ملحوظاً، وأن فرص الوصول إلى نتائج إيجابية تبدو أكبر من أي وقت مضى.

ويرى مراقبون أن نجاح أي تقارب أمريكي إيراني قد ينعكس بصورة مباشرة على ملفات النزاع الإقليمية، ويمنح المبادرات السياسية والأمنية فرصًا أكبر للتحرك، خاصة في ظل إدراك متزايد لدى القوى الإقليمية بأن استمرار الصراعات الحالية يهدد الأمن الجماعي ويعمق الأزمات الاقتصادية.

في المقابل، انتقد فيدان السياسات الإسرائيلية الحالية، معتبراً أن تحركات تل أبيب في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا تعكس توجهاً نحو توسيع النفوذ الإقليمي أكثر من كونها استجابة لمتطلبات الأمن، محذراً من أن استمرار هذا النهج سيزيد من تعقيد فرص التوصل إلى ترتيبات مستقرة في المنطقة.

اختبار الواقعية

ورغم الطابع الطموح للمقترح التركي، فإن نجاحه يظل مرتبطاً بجملة من المتغيرات السياسية المعقدة، وفي مقدمتها مستقبل الحرب على غزة، وإمكانية إحياء مسار التسوية الفلسطينية، ومستوى التفاهم بين القوى الإقليمية المتنافسة.

كما يطرح المشروع تساؤلات حول مدى قدرة دول المنطقة على بناء إطار أمني جامع يضم أطرافًا تختلف في رؤاها ومصالحها الاستراتيجية، وحول إمكانية تحويل فكرة الأمن الجماعي إلى واقع عملي في ظل استمرار بؤر التوتر والصراعات المفتوحة.

ومع ذلك، تبدو الرسالة التركية واضحة؛ إذ ترى أنقرة أن أي منظومة أمنية مستدامة في الشرق الأوسط لا يمكن أن تُبنى بمعزل عن حل القضية الفلسطينية، وأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية يمثل المفتاح الذي قد يفتح الباب أمام إعادة رسم خريطة العلاقات الإقليمية خلال السنوات المقبلة.

المصدر : وكالات.