أخبار المنطقة

أضاحي غزة بين الغلاء والانهيار: عيدٌ مثقل بالأزمة

تعرف على أسعار الأضاحي في غزة

غزة _ الوعل اليمني

يحلّ عيد الأضحى على قطاع غزة هذا العام، كما في العامين السابقين، في ظل واقع إنساني واقتصادي بالغ القسوة، حيث تتراجع مظاهر العيد التقليدية بشكل لافت، وتغيب أجواء الفرح من الأسواق التي بدت شبه خالية من حركة البيع والشراء. ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه القطاع انهيارًا حادًا في قطاع الثروة الحيوانية، تزامنًا مع استمرار الحرب الإسرائيلية وتفاقم الحصار، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار المواشي وتراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين إلى مستويات متدنية للغاية.

وفي ظل هذا المشهد، قفزت أسعار الأضاحي إلى أرقام وُصفت بأنها من الأعلى عالميًا، إذ بلغ سعر الخروف الواحد نحو 7 آلاف دولار أمريكي، أي ما يقارب 23 ألف شيكل، بينما أفاد مواطنون وناشطون بأن بعض الأسعار تجاوزت حاجز 26 ألف شيكل، وهو ما يجعل امتلاك أضحية أمرًا خارج قدرة غالبية الأسر في القطاع.

وقبل اندلاع حرب الإبادة، كان قطاع غزة يعتمد بشكل أساسي على استيراد المواشي خلال موسم الأضاحي، حيث كانت الكميات تتراوح بين 10 إلى 20 ألف عجل، إضافة إلى نحو 40 ألف رأس من الأغنام، ما كان يساهم في توازن السوق وتلبية الطلب. إلا أن استمرار إغلاق المعابر وتشديد القيود على إدخال البضائع أدى إلى توقف شبه كامل لهذه الإمدادات، الأمر الذي خلق فجوة حادة بين العرض والطلب.

ومع تزايد الأزمة، تصاعدت ردود الفعل على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر الفلسطينيون عن غضبهم وإحباطهم من الواقع المعيشي الصعب، مؤكدين أن أسعار الأضاحي باتت تعادل دخل الفرد السنوي في غزة، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين الواقع الاقتصادي والأسعار المتضخمة تحت وطأة الحرب.

أزمة الإمداد

وبحسب مصادر محلية، فإن أعداد المواشي القليلة المتبقية في الأسواق تعاني من سوء تغذية واضح نتيجة نقص الأعلاف وارتفاع تكاليف التربية بشكل كبير. وعلى الرغم من تراجع جودة هذه المواشي من الناحية الصحية، إلا أنها تُعرض بأسعار مرتفعة وغير منطقية اقتصاديًا، ما أدى إلى عجز واسع لدى العائلات عن أداء هذه الشعيرة.

وفي ظل هذا الواقع، لجأ بعض السكان إلى التعبير عن مرارة الأزمة بأسلوب ساخر، مشيرين إلى استبدال الأضاحي التقليدية ببدائل رمزية مثل الدجاج المجمد، في دلالة واضحة على حجم التدهور المعيشي الذي طال حتى الشعائر الدينية، لتحولها من ممارسة جماعية واسعة إلى طقس شبه غائب عن غالبية الأسر.

ويرى مراقبون أن هذا الانهيار يعود بشكل مباشر إلى ما وصفوه بسياسة التدمير الممنهج التي طالت قطاع الإنتاج الحيواني، من خلال استهداف المزارع والحظائر والمنشآت البيطرية، ما تسبب في نفوق أعداد كبيرة من المواشي، وخسارة المربين لمصادر رزقهم وتراجع قدرتهم على الإنتاج المحلي.

انهيار الثروة

وفي هذا السياق، أكد أحد مربي المواشي في غزة أن الفارق بين أسعار ما قبل الحرب واليوم يكاد يكون صادمًا، إذ لم يكن سعر الخروف يتجاوز في أفضل الأحوال 1500 شيكل، بينما ارتفعت التكاليف الحالية بشكل هائل نتيجة منع دخول الأعلاف والأدوية البيطرية وندرة الموارد.

ومع وصول استيراد الأضاحي الحية إلى الصفر، تفاقمت أزمة الأمن الغذائي، حيث تراجع القطاع الإنتاجي الحيواني بشكل حاد، ما يهدد بخروج آلاف المربين من هذا المجال الحيوي، ويُنذر بمزيد من التدهور في توفر اللحوم الطازجة التي أصبحت بعيدة المنال عن مئات آلاف الأسر النازحة.

من جهتها، أوضحت وزارة الزراعة في غزة أن أكثر من مليوني فلسطيني سيقضون عيد الأضحى دون أضاحٍ هذا العام، محملة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن هذا الانهيار، ومشيرة إلى أن تدمير مخازن الأعلاف ومنع إدخال المستلزمات البيطرية كان جزءًا من سياسة أدت إلى ضرب قطاع الثروة الحيوانية بشكل مباشر.

وتتزامن هذه التطورات مع استمرار عدم التزام إسرائيل ببنود اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر 2025، والذي كان يفترض أن يضمن فتح المعابر ودخول المساعدات والسلع الأساسية، إلا أن الواقع يشير إلى استمرار الحصار وتقييد تدفق الإمدادات.

ويحذر ناشطون حقوقيون من أن غياب الأضاحي لا يمثل فقط غيابًا لشعيرة دينية، بل يعكس أيضًا مؤشرات خطيرة على تفاقم مستويات الجوع وسوء التغذية، في ظل اعتماد العديد من العائلات سابقًا على لحوم الأضاحي كمصدر أساسي للبروتين خلال العام.

إن التحول الكبير في شكل العيد داخل غزة يعكس حجم المأساة المتفاقمة، حيث فقد العيد دوره الاجتماعي والاقتصادي، وأصبح مثقلًا بالأزمات بدلًا من كونه مناسبة للفرح والتكافل، في ظل نزوح مستمر وفقدان واسع لمقومات الحياة.

وفي المحصلة، فإن مشهد الأسواق الخاوية والأسعار الخيالية يمثل انعكاسًا مباشرًا لانهيار اقتصادي وإنساني واسع، فيما يبقى الأمل في تحسن الأوضاع مرتبطًا بوقف الحصار وفتح المعابر بشكل يتيح إعادة بناء ما دمرته الحرب واستعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة.