أعلنت وزارة الدفاع الروسية، أمس الثلاثاء، عن إطلاق مناورات عسكرية واسعة النطاق تختبر فيها جهوزية قواتها الاستراتيجية وغير الاستراتيجية على استخدام السلاح النووي، وذلك في خضم تصعيد جيوسياسي غير مسبوق ومواجهات غير مباشرة مستمرة مع حلف شمال الأطلسي “الناتو”.
وبث الإعلام الرسمي الروسي لقطات تظهر تحرك قوافل عسكرية ووحدات صاروخية متخصصة عبر مناطق غابية كثيفة، حيث نفذت القوات عمليات تمويه دقيقة للمركبات قبل رفع منصات الإطلاق إلى الوضعية القتالية.
وشملت هذه التدريبات بشكل أساسي محاكاة نقل ذخائر خاصة ورؤوس حربية نووية تكتيكية وتوصيلها إلى أنظمة الصواريخ الميدانية، وتثبيتها على منظومات الإطلاق المتطورة وسط استنفار كامل لعناصر القيادة والسيطرة والوحدات العملياتية في الميدان.
وتركزت التدريبات الميدانية بشكل مكثف على منظومات الصواريخ الباليستية والموجهة من طراز “إسكندر-إم” المعروفة لدى حلف الناتو باسم “إس إس-26 ستون”، وهي منظومة متنقلة شديدة الدقة تمتلك مدى عملياتياً يصل إلى 500 كيلومتر وتتميز بقدرتها الفائقة على المناورة والإفلات من الدفاعات الجوية.
وتدربت الأطقم العسكرية على توجيه ضربات افتراضية ونقل المعدات بسرعة إلى مواقع إطلاق سرية ومخفية تحت ظروف تحاكي اندلاع حرب شاملة.
ولم تقتصر التدريبات على الأراضي الروسية بل امتدت لتشمل حليفتها وثيقة الصلة بيلاروسيا، حيث جرى التدرب على إجراءات إطلاق وتنسيق الأسلحة النووية التكتيكية الروسية المتمركزة هناك، بما يضع مساحات واسعة من شرق أوروبا وأوكرانيا ضمن النطاق المباشر لهذه الأسلحة الرادعة.
وتأتي هذه المناورات الضخمة بمشاركة عسكرية هائلة تعكس حجم الاستعداد الروسي؛ إذ انخرط فيها نحو 64 ألف جندي وضابط من مختلف القطاعات، بما في ذلك قوات الصواريخ الاستراتيجية، وأساطيل الشمال والمحيط الهادئ، وقيادة الطيران بعيد المدى، إلى جانب وحدات من المنطقتين العسكريتين اللينينغرادية والوسطى.
واشتملت التدريبات على تشغيل أكثر من 200 منصة لإطلاق الصواريخ، وما يزيد على 140 طائرة حربية ومقاتلة، بالإضافة إلى 73 سفينة سطحية و13 غواصة، من بينها ثماني غواصات مجهزة استراتيجياً بحمل صواريخ باليستية عابرة للقارات مزودة برؤوس نووية، مع التخطيط لإجراء رمايات حقيقية واختبارية لصواريخ باليستية ومجنحة في ميادين رمي مخصصة داخل الاتحاد الروسي.
وتحمل هذه التحركات رسائل سياسية وعسكرية صارمة ومباشرة إلى العواصم الغربية، حيث أكدت موسكو أن الهدف الرئيسي من هذه التدريبات هو رفع الكفاءة القتالية للأفراد والمعدات للحفاظ على سيادة الأراضي الروسية، والرد الحاسم على التصريحات والاستفزازات الصادرة عن مسؤولين غربيين.
ويتزامن هذا الاستعراض النووي العلني مع ضغوط ميدانية متزايدة وتكثيف الهجمات بالطائرات المسيرة ضد العمق الروسي، ما دفع النخب العسكرية والسياسية في موسكو إلى التلويح المستمر بالترسانة النووية.
وفي مقابل هذا التصعيد، ترى أوساط التحليل الغربي ومؤسسات دراسات الحرب أن هذه المناورات تهدف بالدرجة الأولى إلى الضغط على مراكز صنع القرار في حلف الناتو للتأثير على استراتيجيات الدعم العسكري لأوكرانيا، ومحاولة وضع خطوط حمراء تمنع الغرب من تجاوز مستويات معينة في الصراع الحالي.



