ثقافة وفكر

وثائقي “نازا” يحصد جائزة البندقية ويُعرّي آلية القتل بالذكاء الاصطناعي بغزة

نازا.. فيلم يوثق شهادات عسكريين إسرائيليين عن قتل المدنيين

حصد الفيلم الوثائقي “نازا” جائزة لجنة التحكيم الخاصة في الدورة الـ83 من مهرجان البندقية السينمائي الدولي، بعدما أثار اهتمامًا واسعًا خلال عرضه الأول، إثر توثيقه شهادات لعسكريين وعناصر سابقين في الجيش والاستخبارات الإسرائيلية حول آليات الاستهداف والقتل في قطاع غزة.

وأُخرج الفيلم على مدى ثلاث سنوات من التحقيقات الاستقصائية، على يد الصحافيين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراحيل تسور، اللذين شاركا في إخراج الفيلم الوثائقي “لا أرض أخرى” الفائز بجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي عام 2025.

وحظي “نازا” بتصفيق متواصل استمر نحو 25 دقيقة عقب عرضه في مهرجان البندقية، في وقت يناقش فيه الفيلم، من خلال شهادات إسرائيلية، طبيعة منظومات المراقبة والاستهداف التي استخدمت خلال الحرب على قطاع غزة.

شهادات إسرائيلية

ويستند الفيلم إلى مقابلات مع 24 شخصًا من أفراد الجيش والاستخبارات الإسرائيلية، وافقوا على الإدلاء بشهاداتهم شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، فيما صُوّرت المقابلات سرًا على أسطح مبانٍ في تل أبيب.

وأخفيت ملامح المشاركين وأصواتهم باستخدام تقنيات رقمية، حفاظًا على سلامتهم، بينما تحدثوا عن عملهم داخل منظومات المراقبة والاستهداف، وعن الطريقة التي جرى من خلالها اختيار أهداف في قطاع غزة.

وبحسب ما يورده الفيلم، تحدث عدد من المشاركين عن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل كميات كبيرة من المعلومات والاتصالات للمساعدة في تحديد أهداف عسكرية، فيما قالوا إن عمليات الاستهداف طالت في حالات منازل ومبانٍ سكنية مع معرفة بوجود مدنيين فيها.

وقال المخرج يوفال أبراهام لوكالة فرانس برس إن الهدف من العمل كان إتاحة المجال للجنود والضباط للحديث بالتفصيل عن طبيعة المنظومات التي عملوا عليها، مضيفًا أن الفيلم يحاول إظهار “كيف كانت تبدو منظومات القتل في غزة، وكيف كانت تعمل”.

ويشير اسم الفيلم “نازا”، وفق ما أوردته صحيفة “الغارديان”، إلى اختصار عسكري إسرائيلي يُستخدم في الاستخبارات للإشارة إلى عدد المدنيين المتوقع مقتلهم خلال غارة معينة.

قتل المدنيين

وتتضمن الشهادات الواردة في الفيلم روايات عن عمليات قصف واستهداف عن بعد، إضافة إلى حديث مشاركين عن إحراق مناطق سكنية واستخدام منظومات مراقبة واسعة النطاق في قطاع غزة.

كما يتناول الفيلم ما يقول المشاركون إنه اعتماد متزايد على أنظمة آلية وتقنيات الذكاء الاصطناعي في معالجة المعلومات وتحديد الأشخاص والأهداف، وهو ما يضع دور التكنولوجيا في عمليات القصف الإسرائيلي على غزة أمام مزيد من التساؤلات المتعلقة بحجم الرقابة البشرية على قرارات الاستهداف.

وعقب تسلمه جائزة لجنة التحكيم الخاصة في المهرجان، قال أبراهام إن ضباطًا في الاستخبارات الإسرائيلية أبلغوا فريق الفيلم بأن عمليات القتل التي يوثقها العمل لم تكن، بحسب شهاداتهم، حوادث منفردة، وإنما ارتبطت بسياسات ومنظومات عمل متعمدة.

كما شدد على أن الصحافيين الفلسطينيين وثقوا ما يجري في غزة منذ بداية الحرب، مشيرًا إلى مقتل أكثر من 200 صحافي فلسطيني خلال الحرب، وفق ما ذكره في كلمته بالمهرجان.

ومنذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، خلّفت العمليات العسكرية الإسرائيلية عشرات آلاف الشهداء والجرحى الفلسطينيين، إلى جانب دمار واسع طال المنازل والبنية التحتية والمنشآت المدنية، في ظل استمرار المطالبات الدولية بحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

اقرا أيضاً: جنود إسرائيليون: ندرج اسم “حماس” تلقائيًا لتبرير أي مجزرة نرتكبها بغزة 

وتنفي إسرائيل تعمد استهداف المدنيين، وتقول إن عملياتها العسكرية تستهدف حركة حماس، متهمةً الحركة باستخدام المدنيين والمنشآت المدنية لأغراض عسكرية.

في المقابل، توثق منظمات حقوقية ووسائل إعلام وشهادات فلسطينية ودولية حجم الخسائر الكبيرة في صفوف المدنيين، ولا سيما الأطفال والنساء، إلى جانب الدمار الواسع الذي لحق بالقطاع.

“نازا” خوارزميات القتل

ويطرح “نازا” سؤالًا أساسيًا حول العلاقة بين التكنولوجيا الحديثة وعمليات القتل في الحروب، إذ يقدم شهادات أشخاص شاركوا، بحسب الفيلم، في تشغيل أو استخدام أنظمة المراقبة والاستهداف الإسرائيلية، ويعرض رواياتهم عن كيفية اتخاذ قرارات مرتبطة بالقصف.

ويرى أبراهام أن المراقبة الجماعية في غزة مرتبطة بصورة مباشرة بعمليات القتل، فيما قالت راحيل تسور إن أهمية الفيلم تكمن في الاستماع إلى الأشخاص الذين صمموا هذه المنظومات أو استخدموها وهم يشرحون طريقة عملها.

ويأتي عرض الفيلم في مهرجان البندقية وسط حضور متزايد لأعمال سينمائية تتناول الحرب على غزة ومعاناة الفلسطينيين، من بينها فيلم “صوت هند رجب”، الذي عُرض في المهرجان العام الماضي وتناول قصة الطفلة الفلسطينية هند رجب التي قُتلت في قطاع غزة.

ومن خلال شهادات إسرائيلية من داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، يسعى “نازا” إلى نقل النقاش حول الحرب في غزة من صور الدمار والضحايا إلى داخل منظومات المراقبة والاستهداف نفسها، واضعًا أمام المشاهد روايات المشاركين فيها بشأن كيفية عملها وتأثيرها على حياة المدنيين الفلسطينيين.

المصدر: وكالات.