محمد الأصبحي
يحدث أن يفقد الإنسان منزله نتيجة حرب أو كارثة، فيعمق ذلك معنى البيت لديه. قد يتعاطف الآخرون معه في حين فقده بيته، لكنهم سرعان ما ينسون، تاركينه يعيش بمفرده ألم الفقد ويصارع ذاكرته الحميمية الأشد خصوصية.
يتناول هذا التقرير قصص نساء من محافظة تعز يعشن ألمًا مضاعفًا، نتيجة فقدانهن منازلهن من جهة، واضطرارهن للعيش بجانب أنقاض تلك المنازل من جهة أخرى.
منذ عشر سنوات تتنقل أم ربيع، 55 عامًا، هي وأطفالها بين بيوت أهل قريتها، دار النصر بجبل صبر، حيث فقدت منزلها نتيجة غارة جوية لطيران التحالف على أحد الأهداف في العام 2015، بحسب قولها.
تقول أم ربيع: “أكثر ما يؤلمني أنا وأطفالي هو أننا العائلة الوحيدة في القرية التي تعيش في بيت لا تملكه، نعيش في قلق دائم من أن يطلب منا المغادرة كما المرات السابقة”
وتستدرك: “لو كان بيتنا سيصلح بعد الترميم لما ترددنا في ترميمه ولو كلفنا ذلك كل شيء، لكن البيت بحاجة إلى الهدم وإعادة البناء”
في معنى البيت
” لم يفارقني أبدًا الشعور بأني بلا مأوى وكأني أسكن الشارع، فقدت معنى الاستقرار ويلازمني دائما إحساس الفترة المؤقتة” تقول ندى نجيب.
فُجر منزل عائلة ندى نجيب المكوّن من خمس شقق سكنية، والواقع بحي بازرعة في مدينة تعز، في العام 2016، إثر اقتحامه من قبل جماعة الحوثي، كما فُقد في نفس اليوم خمسة أشخاص من العائلة، من ضمنهم نجيب والد ندى، وشُردت بقية العائلة ( 13 شخصاً) إلى منازل أقاربهم.
تقول ندى نجيب: “بعد حوالي سبعة أعوام من التنقل بين منازل الأقارب والإيجارات، عدنا إلى الحي الذي يحوي أنقاض منزلنا لنسكن في بيت جدي الذي لم يتضرر بشكل كبير”
وتواصل: “لطالما أدمنت الذهاب إلى أنقاض بيتنا والجلوس هناك لساعات، دون شعور بالوقت… إنه المكان الوحيد الذي أشعر حقا بأني أنتمي إليه، جدرانه المهدمة تشعرني بالحماية والأمان”
وقائع مفجعة
في أكتوبر 2021 عُثر على جثمان نجيب، والد ندى تحت أنقاض المنزل، الأمر الذي كان له وقع مدمر على أفراد عائلته، بحسب ندى.
تقول ندى: “عثورنا على جثمان أبي، أعاد تعريف علاقتي بأنقاض البيت، فقد سيطر الرعب على قلبي، والأعثر حظا أننا مازلنا نعيش جوار الأنقاض”
وتضيف: “عيشنا بجوار أنقاض البيت هو سلسلة من المقاومة، أقاوم ذكرياتي وصدماتي، والمشهد اليومي لبيتنا وهو يتحول إلى مقلب للقمامة، وضحية للإشاعات بكونه بيتاً للأشباح”
وتختم حديثها: “حتى وإن أعيد بناء البيت من يعيد ما عشناه تحت سقفه، من يعيد أبي”
أزمات نفسية
تقول الاختصاصية النفسية سمية الصلوي إن هناك ارتباطاً نفسياً عميقاً بين الإنسان وبيته، فالبيت ليس مجرد مبنىً، وإنما هو مركز للاستقرار والشعور بالأمان، ووعاء للهوية والذكريات، كما يعد الكيان الأساسي الذي تنطلق منه جذور حياة الفرد.
وتضيف مسؤولة قسم الحماية، في مركز سياق للتأهيل النفسي أنه إلى جانب وظيفة البيت في الإيواء المادي، فإنه يلبي الحاجة إلى الأمان والانتماء والحب، وهي حاجات أساسية للتوازن النفسي، كما يمنح الفرد شعورًا بالتحكم في بيئته الخاصة، وهو أمر حيوي للصحة النفسية.
وبخصوص الأثر الذي يسببه فقدان المنزل على الأشخاص، خاصة إذا كان الفقدان بشكل نهائي نتيجة تفجير أو قصف، توضح الصلوي، أن ذلك قد يسبب ضررًا نفسيًا بالغًا، فتدمير الملاذ الآمن للإنسان يزعزع شعوره بالأمان في العالم أجمع، مما يؤدي إلى يقظة مفرطة، وقلق مزمن، وشعور دائم بالخطر، وقد يتطور الحزن إلى حزن معقد أو اكتئاب في حال شملت خسارة، الممتلكات أو أحد أفراد الأسرة.
وتؤكد الصلوي أن العيش بالقرب من أنقاض المنزل يجعل تجاوز الصدمة أكثر صعوبة، حيث تعتبر الأنقاض محفزات بصرية تعيد الشخص باستمرار إلى لحظة وقوع الحدث الصادم، مما يزيد من احتمالية الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة المزمن.
وتواصل: يزداد الأمر صعوبة على النساء، خاصةً اللاتي فقدن معيلهن بالإضافة إلى فقدان المنزل، فإلى جانب تفاقم الصدمة تتحول المرأة إلى معيل وحيد وهي في خضم صدمة نفسية، كما تصبح المصدر الوحيد للدعم العاطفي لأطفالها الذين يعانون من الصدمة، مما يزيد من الضغط عليها لتبدو قوية وتخفي معاناتها الخاصة، مما يفرض عليها أعباء أخرى تضر بصحتها النفسية على المدى الطويل.
دين لم يسدد
أم إسلام هي الأخرى تعيش في بيت جيرانها بعد أن دُمر منزلها في منطقة العسكري، الذي بُنِيَ قبل عام من الحرب، تقول في هذا الصدد: ” مازلنا نحمل هم الديون التي استلفناها لعمارة البيت، أشعر وكأنني أذر النقود في الهواء، فكل ما أسدده هو ثمن أنقاض بيتي”
وتواصل: ” أتلافى دائما فتح النافذة التي تطل على أنقاض بيتي، وأحاول قطع الطريق الأطول الذي لا يمر بجانبه، فكلما لمحته شعرت بثقله وكأني أحمله على ظهري.”
فقدان البيت يعني فقدان جزء ملموس من الذات الجماعية والفردية، كوّنه يعتبر مسرحًا للحياة الاجتماعية، وقد يؤدي ذلك إلى أزمة هوية، حيث يفقد الفرد نقاط مرجعيته المكانية التي تحدد هويته، بحسب د. إيمان عيظة، الأستاذ المساعد في قسم علم الاجتماع بجامعة حضرموت.
وتضيف: يعد المنزل الحصن ومصدر الخصوصية وفقدانه يزيل الحاجز الاجتماعي بين الأسرة والعالم الخارجي، مما يخلق شعوراً بالضعف والتعرض للخطر المستمر، والنساء يتأثرن بفقدان مساحة الإدارة والرعاية.
وفي حديثها عن العيش بقرب أنقاض المنزل تقول عيظة إن ذلك يؤثر بشكل معقد على عملية التكيف الاجتماعي للأسر، حيث يذكر بالخسارة ويزيد القلق، والتكيف يتطلب غالباً انتقالاً مكانياً ونفسياً، إلا أنه يمكن اعتبار الرغبة في البقاء قرب الأنقاض شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية أو التمسك بالهوية المكانية، حيث يعتبر إعلانًا عن الملكية والتأكيد على أن الوجود مرتبط بهذا المكان حتى لو تهدمت جدرانه، والناس لا يلتصقون بالخرسانة والحجارة، بل بالذاكرة الجماعية المرتبطة بها.
معاناة موروثة
“كيف كانت بيتنا؟ حلوة أو لا؟”
هذا السؤال لا يفارق الطفلة فرح الرجوي، سبع سنوات، التي وُلدت بعد عام من تفجير منزل عائلتها في عام 2017، في حي الجحملية العليا.
تقول أم فرح: ” يقع منزلنا المدمر في طريق المدرسة الذي تسلكه طفلتي كل صباح، تعود محملة كل يوم بالعديد من التساؤلات التي تؤلمني، من قبيل: كيف كان شكل البيت، لماذا لم تنجبيني داخله، احكي لي قصة حدثت لي في بيتنا…”
وفق تقارير مختلفة أهمها تقارير منظمة الهجرة الدولية التي رصدها مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان، فقد بلغ إجمالي الممتلكات الخاصة التي طالها الانتهاك نحو 3,617 ممتلكا تم تفجير 169 منزلا وتدمير 224 منزلا ومنشأة خاصة ولحق الضرر كليا ب 353 منشأة ومنزل وجزئيا ب 2,020 أخرى وتم اقتحام ونهب نحو 53 منزلا ومنشأة وتضررت 628 مركبة خاصة ورصد 190 حالة انتهاك أخرى لممتلكات خاصة.
*هذا التقرير هو الفائز بالمركز الثالث في مسابقة الوعل اليمني لأفضل (مقال صحفي) للعام 2026م “بصورة استثنائية” نظرًا لتميز موضوعه وجودة كتابته.



