يواجه قطاع غزة حالة متفاقمة من الجمود السياسي والإنساني، بعد مرور أكثر من سبعة أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه برعاية أمريكية ودولية، وسط غياب أي تقدم فعلي في ملف إعادة الإعمار، وتعاظم الانتقادات الموجهة إلى ما يُعرف بـ “مجلس السلام” المشرف على إدارة المرحلة الانتقالية في القطاع.
وفي الوقت الذي لا تزال فيه غالبية سكان غزة يعيشون وسط الدمار والنزوح ونقص الخدمات الأساسية، كشفت تقارير دولية وإعلامية عن أزمة تمويل حادة تضرب المجلس، مقابل إنفاق مالي كبير على الهياكل الإدارية والرواتب التشغيلية، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول جدوى المشروع وقدرته الحقيقية على تنفيذ الوعود التي أُعلنت عقب الحرب.
وبحسب ما أوردته صحيفة “الغارديان” البريطانية، فإن الدول التي تعهدت بتقديم نحو 7 مليارات دولار لدعم خطة “إغاثة غزة” لم تلتزم فعلياً بمعظم تعهداتها، في وقت لم تبدأ فيه أي عملية إعادة إعمار حقيقية على الأرض، رغم مرور أشهر على الاتفاق السياسي الذي رُوّج له باعتباره مدخلاً لإعادة بناء القطاع وإنهاء أزمته الإنسانية.
تعهدات ضخمة وتمويل محدود
ووفق التقرير، فإن تسع دول شاركت في الاجتماع التأسيسي للمجلس المدعوم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتعهدت بتوفير مليارات الدولارات لتمويل مشاريع الإغاثة والإعمار وإعادة هيكلة الإدارة المدنية والأمنية في غزة.
غير أن ما تم تحويله فعلياً، بحسب مصادر مطلعة على أعمال المجلس، اقتصر على مساهمات محدودة من الإمارات والمغرب، بينما بقيت غالبية التعهدات المالية دون تنفيذ.
وأشارت المصادر إلى أن المجلس لم يحصل سوى على نحو 23 مليون دولار لتغطية عملياته التشغيلية، إضافة إلى 100 مليون دولار خُصصت لتأسيس قوة شرطة فلسطينية مستقبلية، وهو رقم بعيد جداً عن حجم الاحتياجات الفعلية التي تقدرها الأمم المتحدة بأكثر من 70 مليار دولار لإعادة إعمار غزة على مدار السنوات المقبلة.
وبلغة الأرقام، فإن ما تم دفعه فعلياً لا يتجاوز 1.75 دولار مقابل كل 100 دولار جرى التعهد بها، ما يعكس فجوة هائلة بين الخطاب السياسي والواقع التنفيذي.
تردد المانحين وتآكل الثقة
وفي سياق متصل، نقلت الصحيفة عن دبلوماسيين ومصادر مطلعة أن العديد من الدول المانحة باتت مترددة في تحويل الأموال، بسبب غياب أي تقدم سياسي أو ميداني، إلى جانب تنامي الشكوك بشأن قدرة المجلس على إدارة الملف بكفاءة وتحقيق نتائج ملموسة.
وقال دبلوماسي مطلع على المفاوضات الدولية الخاصة بغزة إن “الدول أصبحت أكثر تحفظاً في دفع حصصها بعد أشهر من الجمود وعدم إحراز أي تقدم على الأرض”.
كما أشار مصدر آخر إلى أن التطورات الإقليمية، وفي مقدمتها التوترات المرتبطة بإيران، وفرت لبعض الأطراف غطاءً سياسياً لتأجيل التمويل أو التراجع عنه.
في المقابل، نقلت “الغارديان” عن أحد المطلعين على جهود المجلس قوله إن “أصحاب النفوذ والمال لا يرغبون في العمل مع مجلس السلام”، في إشارة إلى تراجع الثقة الدولية بالمشروع وآلياته.

رواتب مرتفعة بدون إنجاز
وفي موازاة تعثر التمويل والإعمار، أثارت التقارير جدلاً واسعاً حول الرواتب والمخصصات المالية المرتفعة التي يتقاضاها مسؤولون وموظفون مرتبطون بالمجلس، رغم غياب أي نتائج ملموسة داخل القطاع.
ووفقاً للمعلومات التي اطلعت عليها الصحيفة البريطانية، فإن 12 فلسطينياً تم اختيارهم ضمن “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، والمقيمين حالياً في مصر بانتظار ترتيبات الدخول إلى القطاع، يتقاضون رواتب شهرية تتراوح بين 16 و17 ألف دولار.
كما كشفت السجلات أن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، المكلّف بإدارة المبادرة بصفته “الممثل الأعلى” للمجلس، يحصل على مخصصات سنوية تصل إلى نحو 400 ألف دولار.
وأثارت هذه الأرقام انتقادات حادة، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الكارثية التي يعيشها سكان القطاع، وغياب أي أثر فعلي للمجلس على الأرض.
ورغم ذلك، نفى مسؤولون في المجلس دقة بعض الأرقام المتداولة، مؤكدين أن الرواتب تستند إلى “معايير إدارية وتنظيمية”، فيما رفضوا تقديم تفاصيل إضافية بشأن حجم الإنفاق وآليات الصرف.
لا إعمار.. ولا حتى إزالة للركام
وفي الوقت الذي تتواصل فيه الاجتماعات والحوارات السياسية، تؤكد مصادر ميدانية أن غزة لم تشهد حتى الآن أي مشاريع إعادة إعمار فعلية، بما في ذلك عمليات إزالة الركام أو إصلاح البنية التحتية الأساسية.
وقال أحد المطلعين على أعمال اللجنة الوطنية لإدارة غزة إن “المجلس لم يتمكن حتى من إدخال زجاجة مياه واحدة إلى القطاع تحت اسمه منذ بداية العام 2026”.
كما نقلت الصحيفة عن مقاولين وشركات كانت قد أبدت اهتماماً بالمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، أن العقود الخاصة بإزالة الأنقاض أو إنشاء المجمعات السكنية لم تُمنح حتى الآن، رغم الحديث المتكرر عن خطط واسعة لتحويل غزة إلى مركز اقتصادي وتجاري حديث.

وفي تقرير قدمه مجلس السلام إلى مجلس الأمن الدولي منتصف مايو/أيار الجاري، اعتبر أن “العقبة الرئيسية” أمام تنفيذ الخطة تتمثل في رفض حركة حماس تسليم سلاحها والتخلي عن السيطرة على القطاع.
لكن في المقابل، يرى مراقبون أن غياب التوافق السياسي، وعدم وجود آلية دولية واضحة للإشراف والتنفيذ، إضافة إلى استمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية على أجزاء واسعة من غزة، عوامل أساسية تعيق أي تقدم حقيقي في ملف الإعمار.
كما أن الخطة التي تحدثت سابقاً عن إنشاء قوة دولية وإدارة انتقالية لم تتجاوز حتى الآن مرحلة التصورات السياسية، دون خطوات تنفيذية واضحة على الأرض.
أزمة إنسانية تتفاقم
وفي ظل هذا التعثر، تتواصل معاناة سكان غزة الذين يعيش مئات الآلاف منهم في مخيمات مؤقتة تفتقر لأبسط مقومات الحياة، مع استمرار أزمة الغذاء والمياه والرعاية الصحية وانهيار البنية التحتية والخدمات الأساسية.
كما لا تزال المدارس والمستشفيات تعاني من أضرار جسيمة، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الدولية من كارثة إنسانية طويلة الأمد إذا استمر الجمود السياسي وتعطلت جهود الإعمار.
وكان مسؤولون أمريكيون ومقربون من إدارة ترامب قد روجوا خلال الأشهر الماضية لرؤية تقوم على تحويل غزة إلى مركز اقتصادي وسياحي متطور، يتضمن مشاريع “مدن ذكية” وموانئ ومطارات ومجمعات تجارية حديثة.
غير أن تلك الطموحات، وفق مراقبين، ما تزال بعيدة تماماً عن الواقع الحالي الذي يختصره الدمار الواسع، وغياب التمويل، وتعثر التفاهمات السياسية والأمنية.
ومع استمرار الفجوة بين الوعود الدولية والتنفيذ الفعلي، يبقى السؤال الأبرز مطروحاً: هل يتحول “مجلس السلام” إلى إطار بيروقراطي يستهلك التمويل دون إنجاز، أم أن المجتمع الدولي سينجح في إنقاذ مشروع إعادة إعمار غزة قبل انهياره الكامل؟
المصدر : وكالات .



