شهدت الساعات الأخيرة من نهار اليوم، السبت، تصعيداً ميدانياً غير مسبوق في مسار المواجهة بين موسكو وكييف، تجسد في واحدة من أكبر الهجمات الجوية المنسقة التي نفذتها القوات الأوكرانية باستخدام الطائرات المسيرة بعيدة المدى، مستهدفة منشآت طاقة استراتيجية في العمق الروسي، بالتزامن مع ضربة صاروخية وجوية دموية استهدفت مبانٍ تعليمية وسكناً طلابياً في سياق معارك السيطرة على إقليم لوغانسك الخاضع للسيطرة الروسية، مما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا من المدنيين والطلاب وإشعال حرائق ضخمة في البنى التحتية الحيوية.
في جبهة الطاقة والاقتصاد، تعرض ميناء ومستودع النفط في مدينة “نوفوروسيسك” الساحلية الواقعة في إقليم كراسنودار على البحر الأسود، لهجوم عنيف بطائرات مسيرة انتحارية أطلقتها كييف فجر السبت.
وعقب الانفجارات المدوية التي هزت المنطقة، أعلن عمدة المدينة أندري كرافتشينكو، ومقر العمليات الإقليمي، اندلاع حريق هائل في مستودع النفط التابع لمنشأة “غروشوفايا بالكا” ومجمع “شيسخاريس” للشحن، وهو أكبر محطة لتحميل وتصدير النفط الخام والمنتجات البترولية في جنوب روسيا ومرتكز رئيسي لخطوط أنابيب شركة “ترانسنيف” الحكومية.
وبينما زعمت السلطات الروسية أن الحريق نتج عن سقوط حطام المسيرات التي جرى اعتراضها، أكدت البيانات الميدانية والتحليلات البصرية تضرر مبانٍ إدارية وفنية متعددة وإصابة عامليْن بجروح نُقلا على إثرها إلى المستشفى، فيما يمثل هذا الهجوم ضربة نوعية لمركز يتعامل مع قرابة خمس الصادرات النفطية الروسية المحمولة بحراً.
بموازاة ذلك، أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن استنفار واسع لمنظومات الدفاع الجوي وحرب الإلكترونية عبر 15 إقليماً روسياً، بالإضافة إلى بحر آزوف والبحر الأسود، لصد ما وصفته بالهجوم الشامل.
ووفقاً للبيان العسكري الرسمي الصادر عن موسكو، نجحت القوات الروسية في اعتراض وتدمير 348 طائرة مسيرة أوكرانية خلال ليلة واحدة، مشيرة إلى أن الهجمات امتدت لمناطق نائية مثل إقليم “بيرم” في جبال الأورال وإقليم “ريازان”، حيث سقط الحطام في محيط منشآت صناعية وتكريرية دون تسجيل أضرار هيكلية جسيمة هذه المرة، بعد أن تسببت ضربات الأسبوع الماضي في إيقاف جزئي لعمليات التكرير هناك.
على الجانب الإنساني والسياسي الأكثر تعقيداً، وقعت فاجعة كبرى في مدينة “ستاروبيلسك” بالجزء الخاضع للسيطرة الروسية من مقاطعة لوغانسك شرقي أوكرانيا؛ حيث استهدف هجوم جوي مبنى تعليمياً وسكناً طلابياً تابعاً لكلية “ستاروبيلسك المهنية” بجامعة لوغانسك الحكومية للعلوم التربوية.
الهجوم الذي وقع أثناء نوم الطلاب أسفر -وفقاً لآخر تحديث رسمي صادر عن رئيس المنطقة المعين من قبل روسيا، ليونيد باستشنيك- عن ارتفاع حصيلة الضحايا إلى 10 قتلى على الأقل وإصابة 48 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، في حين لا يزال نحو 11 طالباً في عداد المفقودين تحت الأنقاض.
وأوضحت مفوضة حقوق الإنسان الروسية، يانا لانتشاتوفا، أن المبنى المكون من خمسة طوابق انهار جزئياً وتدمرت طوابقه الثلاثة العلوية بالكامل، مشيرة إلى أن السكن كان يضم حوالي 86 مراهقاً تتراوح أعمارهم بين 14 و18 عاماً وقت الهجوم.
أثار حادث السكن الطلابي ردود فعل دولية ومحلية غاضبة، حيث أدان الكرملين الحادثة واصفاً إياها بـ “الجريمة النكراء”، وأعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فتح تحقيق جنائي تحت بند “الأعمال الإرهابية”، موجهاً وزارة الدفاع لإعداد خيارات عملية للرد الانتقامي، بالتزامن مع طلب موسكو عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة.
في المقابل، سارع رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الأوكرانية إلى نفى هذه الاتهامات بشكل قاطع، مؤكداً في بيان رسمي أن الجيش الأوكراني يوجه ضرباته بدقة ضد البنية التحتية والمرافق العسكرية للاحتلال الروسي، مع الالتزام الصارم بالقانون الإنساني الدولي وقوانين الحرب، متسماً الرواية الروسية بمحاولة تزييف الحقائق ونشر معلومات مضللة لكسب تعاطف دولي.



