مقالات

في اليمن.. حيث تصبح النجاة عملاً يومياً لا يُرى..*

محمد البحري

في هذا البلد، لا يحدث الانهيار دفعة واحدة، بل يتسلل ببطء، كضيف ثقيل لا يغادر. تبدأ الأشياء الصغيرة بالاختفاء أولًا؛ الكهرباء، الاستقرار، القدرة على التخطيط، ثم تتبعها أشياء أكبر، حتى يصبح الغد نفسه فكرة غير مضمونة. ومع ذلك، لا تتوقف الحياة، بل تعيد تشكيل نفسها في أماكن لا تصلها الكاميرات.

في كنتيرة صغيرة بمخيم الخراشي للنازحين في محافظة مأرب، وعلى ضوء هاتف خافت بعد انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، تجلس امرأة خمسينية أمام ماكينة خياطة قديمة. تمرر القماش بتركيز شديد، كأنها لا تخيط ملابس أطفال فحسب، بل تحاول ترميم شيء أعمق من ذلك. إلى جانبها تتراكم قطع صغيرة، تحمل في تفاصيلها محاولة يومية للبقاء.

في الصباح، تخرج ابنتها لتجلس على بسطة متواضعة، تعرض تلك الملابس القليلة، لا لتنافس في سوق، بل لتكسب يومًا إضافيًا من الصمود.

لم تبدأ الأم وابنتها هذا العمل بدافع الطموح، ولا بحثًا عن لقب سيدات أعمال، بل لأن الخيارات الأخرى اختفت ببساطة.

كنت أمرّ بجوار الكنتيرة أحيانًا، وأسمع صوت الماكينة يتكرر بالإيقاع نفسه كل ليلة، فأشعر أن ما يحدث هناك ليس مشروعًا، بل شكل من أشكال النجاة.

في إحدى الليالي، انطفأ ضوء الهاتف فجأة، فتوقفت الماكينة. لم تقل شيئًا، ولم تتذمر، كما قالت زوجتي وهي تروي لي هذا المشهد من القصة، فقط بقيت ممسكة بالقماش بين يديها لثوانٍ طويلة، كأنها لا تعرف ماذا تفعل بفكرة التوقف نفسها. ثم أعادت تشغيل الضوء، وعادت إلى الخياطة.. بالهدوء نفسه.

في مخيم الجفينة في محافظة مأرب أيضًا، تتكرر الحكاية بشكل مختلف. داخل منزل متهالك، يحاول شاب في العشرينيات إعادة تشغيل جهاز المودم للمرة السابعة. لم يكن ذلك مجرد خلل تقني، بل محاولة متكررة للاتصال بالعالم.

رأيته يغير مكان الجهاز، يرفعه قليلًا، يقترب من النافذة، ثم يعود لينتظر أمام شاشة هاتفه بصبرٍ متعب. كان يدرس دبلومًا عن بُعد عبر تطبيق “زوم”، في بيئة لا تعترف أصلًا بثبات الاتصال.

سألته مرة كيف يمكنه الاستمرار في هذا الوضع. ابتسم ابتسامة قصيرة، وقال: “أحاول.. وإذا انقطع، أعيد المحاولة”.

لم يكن في صوته حماس، ولا شكوى، فقط نوع من التعايش الصلب مع واقع لا يترك له خيارًا آخر.

أحيانًا كنت أتساءل إن كان كل هذا الجهد سيقود إلى شيء، أو أنه مجرد تأجيل للخسارة. لكن ما كنت أراه يوميًا كان يطرح سؤالًا مختلفًا: كيف لم يتوقفوا؟

في اليمن اليوم، لم يعد النجاح يعني أن تتقدم، بل فقط ألّا تنهار. أن تستمر رغم التعثر، وأن تعيد المحاولة دون ضمان، أصبح شكلًا آخر من أشكال النجاة.

هذه ليست قصصًا استثنائية، بل نماذج متكررة لحياة تُبنى من الحد الأدنى الممكن.

اليمن الذي يظهر في العناوين هو بلد الأزمات، لكن اليمن الذي يُعاش يوميًا هو بلد يُعاد تشكيله بصمت. امرأة تخيط في الظلام، فتاة تبيع على استحياء، شاب يلاحق إشارة إنترنت هاربة، وآلاف غيرهم يفعلون الشيء ذاته بطرق مختلفة. لا أحد يصفق لهم، ولا أحد يوثق هذه اللحظات الصغيرة، لكنها، بطريقة ما، تمنع الحياة من الانهيار الكامل.

ربما لهذا السبب، لا ينهار هذا البلد كما يُفترض. ليس لأن الظروف تحسنت، بل لأن هناك دائمًا من يقرر بهدوء ودون إعلان أن يستمر.

في اليمن، لا يستمر الناس لأن الطريق واضح،

بل لأن التوقف.. لم يعد خيارًا يمكنهم تحمله.

*المقال الفائز بالمركز الأول مكرر في مسابقة الوعل اليمني لـ “أفضل مقال صحفي للعام 2026”