تقرير خاص
في أحد أسواق صنعاء القديمة، جلس رجل خمسيني أمام متجره المغلق يتأمل حركة المارة بصمت ثقيل. لم يكن يبحث عن زبون، بل عن إجابة لسؤال بات يتكرر على ألسنة آلاف اليمنيين: إلى متى تستمر هذه الحياة المعلقة بين الخوف وضيق المعيشة؟
خلال السنوات الأخيرة، لم تعد معاناة اليمنيين مرتبطة بالحرب وحدها، بل اتسعت لتشمل سلسلة من الإجراءات التي يقول مواطنون وحقوقيون إنها عمّقت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وحولت حياة كثير من الأسر إلى معركة يومية من أجل البقاء. وبين الجبايات المتزايدة، والتضييق على الأنشطة التجارية، وقيود العمل والتنقل، يتصاعد شعور متنامٍ بالسخط الشعبي في مناطق سيطرة جماعة الحوثي.
أرزاق مهددة
يقول التاجر محمد السقاف، وهو صاحب محل مواد غذائية في صنعاء، إن أصحاب الأعمال الصغيرة أصبحوا يواجهون أعباءً متزايدة لا تتناسب مع قدرتهم على الاستمرار.
وأضاف للوعل اليمني: “كل فترة تظهر رسوم أو التزامات جديدة. الناس بالكاد تستطيع شراء احتياجاتها الأساسية، والتاجر أصبح الحلقة الأضعف بين المواطن والجهات التي تفرض هذه الأعباء”.
وتؤكد تقارير اقتصادية محلية ودولية أن تراجع النشاط التجاري وارتفاع تكاليف التشغيل أثرا بشكل مباشر على الأسواق وفرص العمل، في ظل ظروف معيشية هي الأصعب منذ سنوات.
أما إيمان عبدالسلام، وهي معلمة من محافظة إب، فتقول إن المشكلة لم تعد تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط.وتضيف: “الموظف يبحث عن راتب منتظم، والتاجر يبحث عن الاستقرار، والطالب يبحث عن مستقبل. الجميع يشعر أن مساحة الحياة الطبيعية تضيق يوماً بعد آخر”.
قبضة متشددة
ويرى مراقبون أن حالة الاحتقان الشعبي ارتفعت مع تزايد الإجراءات الأمنية التي طالت ناشطين وإعلاميين وأكاديميين ومواطنين بسبب آرائهم أو انتقاداتهم للأوضاع العامة.
وخلال الأشهر الماضية تداولت وسائل إعلام ومنظمات حقوقية عدداً من القضايا المتعلقة باحتجاز ناشطين ومواطنين بعد نشرهم انتقادات تتعلق بالخدمات العامة أو الأوضاع المعيشية.
ويقول الباحث الاجتماعي نبيل العريقي إن هذه الممارسات تترك آثاراً تتجاوز الأشخاص المستهدفين.
وأوضح للوعل اليمني: “حين يشعر المواطن أن التعبير عن رأيه قد يكلفه حريته أو مصدر رزقه، فإن الخوف يتحول إلى حالة جماعية تؤثر على المجتمع بأكمله”.
جبايات متواصلة
في محافظة ذمار، يشكو المزارع عبدالكريم الحداد من تراجع دخله خلال الأعوام الأخيرة نتيجة ارتفاع التكاليف وتعدد الالتزامات المالية.
ويقول: “كنا نواجه الجفاف وقلة الإمكانيات، أما اليوم فأصبحنا نواجه أعباء إضافية تجعل الاستمرار في الزراعة أكثر صعوبة”.
وتحدث مواطنون في محافظات عدة عن رسوم ومساهمات مالية تُفرض تحت مسميات مختلفة، مؤكدين أن آثارها تنعكس بشكل مباشر على أسعار السلع والخدمات.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن تدهور القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر دفعا ملايين اليمنيين للاعتماد على المساعدات الإنسانية أو الأعمال المؤقتة لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
أصوات غاضبة
السخط الشعبي لم يعد مقتصراً على فئة معينة، بل امتد إلى شرائح مختلفة من المجتمع.تقول الطالبة الجامعية سارة العنسي إن الشباب أصبحوا يشعرون بانسداد الأفق.
وأضافت: “أجيال كاملة تخرجت من الجامعات دون أن تجد فرص عمل حقيقية. الناس تريد حياة كريمة فقط، لكن الواقع يزداد صعوبة”.
من جانبه، يرى الموظف المتقاعد عبدالوهاب القدسي أن الأزمة تجاوزت حدود الاقتصاد.وقال للوعل اليمني: “المشكلة ليست في الفقر وحده، بل في الشعور بأن الأوضاع تتجه من سيئ إلى أسوأ دون حلول حقيقية”.
وتعزز هذه الشهادات ما تضمنته تقارير أممية ودولية تحدثت عن استمرار التدهور الاقتصادي والإنساني في اليمن، حيث تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن ملايين اليمنيين ما زالوا بحاجة إلى المساعدات الإنسانية، فيما يعاني عدد كبير من الأسر من انعدام الأمن الغذائي.
كما وثقت منظمات حقوقية محلية ودولية انتهاكات مرتبطة بحرية الرأي والتعبير والاعتقال التعسفي والتضييق على النشاط المدني في مناطق عدة.
ويرى محللون أن استمرار هذه السياسات يفاقم حالة الاحتقان الشعبي ويعمق الفجوة بين السلطات القائمة والمجتمع.
واقع ثقيل
في شوارع صنعاء وإب وذمار والحديدة وعمران، تتشابه الحكايات وإن اختلفت التفاصيل. موظف ينتظر راتباً، وتاجر يكافح للبقاء، ومزارع يواجه تكاليف متزايدة، وشاب يبحث عن فرصة عمل، وأسرة تحاول تجاوز أعباء الحياة اليومية.ورغم اختلاف الخلفيات الاجتماعية والسياسية، فإن كثيراً من المواطنين يجتمعون على وصف واحد للمرحلة الحالية: الضيق المتواصل.بعد أكثر من عقد من الصراع، لم يعد اليمنيون يقيسون معاناتهم بعدد سنوات الحرب فقط، بل بحجم الأعباء التي تراكمت فوق كاهلهم عاماً بعد آخر. وبينما تتسع دائرة الفقر وتتراجع فرص العيش الكريم، تتزايد الأصوات المطالبة بوقف السياسات التي أثقلت حياة الناس وأضعفت قدرتهم على الصمود.
وفي بلد أنهكته الأزمات، يبدو أن أكبر ما يطمح إليه المواطن اليوم ليس أكثر من حقه الطبيعي في العمل والعيش بأمان، بعيداً عن الخوف، وبعيداً عن كل ما يحول لقمة العيش إلى معركة يومية لا تنتهي.



