الوعل اليمني- غزة – أزهار الكحلوت
في زمنٍ تتكاثر فيه الحروب وتُطمس فيه الأصوات، تخرج من قلب الدمار شهادات لا يمكن للعالم أن يصم عنها أذنه. ومن بين الركام، نهضت الكاتبة الغزّية آية أبو نصر(29 عاماً) من بيت لاهيا شمال قطاع غزة، تحمل شهادة حية على عامين من الجوع والنزوح والدمار والقتل، وعلى فاجعةٍ فقدت فيها عائلتها بأكملها في مجزرة مروّعة ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2024.
في كتابها الذي حمل عنوان “نجا من مات ومات من نجا”، توثق آية بدمها ودموعها قصة شعبٍ عاش الموت مرات عديدة ولم يمت لتثبت حقيقةً لا يريد العالم أن يراها: أن في غزة «نجا من الموت، لكنه لم ينجُ من الحياة.»
مقبرة تحت الأنقاض
في صباح المجزرة، تحولت بناية عائلة آية في مشروع بيت لاهيا إلى مقبرة جماعية. في لحظات خاطفة، سوى القصف الإسرائيلي خمسة طوابق بالأرض، فدفن تحت الركام 150 فرداً من عائلتها، بينهم إخوتها وأعمامها وأطفالهم.
ولم يتمكن فريق الإنقاذ حينها من انتشال عشرات الضحايا بسبب نقص المعدات. وبقيت الجثامين حبيسة الركام لأكثر من خمسة عشر شهراً، قبل أن تنجح طواقم الإنقاذ، بالتعاون مع الصليب الأحمر، في انتشالها خلال حملة بدأت في فبراير/شباط 2026، لتستعيد العائلة أبناءها الذين ظلوا مدفونين تحت أنقاض المنزل طوال تلك المدة. لم يبقَ من البناية سوى جدار واحد حمل عبارة كتبتها إحدى بنات عمها قبل ساعات من ارتكاب الاحتلال هذه المجزرة ” في غزة نجا من مات ومات من نجا
من هناك جاء العنوان، ومن بين الركام ولد الكتاب.
تقول آية بأسى: “شعرت أن تلك الكلمات خلدت من أجلهم، كأن النجاة من الحياة كانت في موتهم… حقاً نجا من مات ومات من نجا.”
حكاية الفقد والنجاة
عاشت آية واحدة من أقسى الفواجع، حين فقدت عائلتها كاملة دون أن تتمكن من وداعهم. تقول: “الألم الحقيقي أننا كنا بعيدين عنهم، بعضهم كان لا يزال حيًّا لكنه اختنق قبل أن يُنقذ.” ومع هول الفقد، وجدت في الكتابة طوق نجاةٍ لها، فبدأت توثق يومياتها وآلامها مستخدمةً هاتفها بدل القلم، تكتب عندما تجوع أو تخاف أو تشتاق، لتجعل من الكتاب صديقها ووسيلتها للبقاء.
قبل أسبوع المجزرة، كانت آية تعيش مع عائلتها في البناية نفسها بمشروع بيت لاهيا. لكن بعد أن فقدت شقيقتها ابنها في قصفٍ إسرائيلي، ذهبت آية مع والدتها لتواسيها، تاركةً إخوتها في المبنى. وبعد أيام قليلة، تجدّد القصف على المنطقة التي لجأت إليها، فحوصرت مع والدتها لساعاتٍ طويلة قبل أن تُجبرا على النزوح جنوباً تحت نيران الطائرات.
في فجر اليوم التالي، رنّ هاتفها حاملاً فاجعةً لم تتخيلها. كانت زوجة شقيقها تبكي وتقول بصوتٍ متقطع: “قصفوا البناية… كلهم استشهدوا.” تجمّدت الكلمات في فم آية، ونظرت إلى والدتها التي كانت تدعو لأولادها طوال الليل، ثم أخبرتها الحقيقة بصوتٍ مرتجف، فسقطت الأم مغشياً عليها وهي تردد: “لا إله إلا الله.” تقول آية: “تلك المكالمة كانت الأصعب في حياتي، تمنّيت قبلة وداع، تمنّيت أن أدفنهم بيدي.”
وثقت آلام غزة
يستعرض الكتاب تجربة آية أبو نصر الشخصية بعد فقدان عائلتها بالكامل، وتروي في أحد فصوله الذي حمل عنوان ” اللقاء الأول “، كيف واجهت الألم والخوف واستمرت في حياتها، من خلال العمل مع نساء ناجيات ومساندة النازحات، متحدية الظروف الصعبة التي فرضتها الحرب على غزة.
توضح آية، أن كتابها لم يكن مجرد توثيقٍ لمأساتها الشخصية أو سرداً لرحلة الفقد، بل محاولة لنقل وجع غزة بأكمله . تقول: “لم أكتب فقط عن عائلتي، بل عن كل بيتٍ فقد أحبّاءه، عن الجوع الذي التهم الأطفال، والنساء اللواتي واصلن الحياة وسط الخيام، عن مدينةٍ تنزف منذ عامين كاملين.”

كما يرصد الكتاب جوانب المعاناة اليومية لأهالي القطاع، من انعدام الدواء والطعام، إلى صعوبة البقاء في ظل النزوح المستمر، مقدّماً شهادة حية على الواقع الإنساني القاسي الذي عاشه المدنيون خلال حرب الإبادة، من قلب الألم ومن بين الأنقاض.
كتبت بالدم والدموع
تقول أبو نصر لـ ” الوعل اليمني”، “هذا الكتاب كتبته بالدم والدموع، وأهديته لعائلتي، لوالدتي، ولكل من عاش الإبادة. كتبت لأقول: لماذا قتل الاحتلال عائلتي؟ ولماذا لا يسمع أحد؟”
وتضيف: ” كنت أكتب وأتوقف بسبب القصف أو النزوح أو الجوع، لكنني لم أتوقف عن الإيمان بأن صوتنا يجب أن يسمع. واستكملت حديثها لـ”الوعل اليمني”: “أتمنى أن يظل العالم يهتف لفلسطين، وأن تفتح قضية ضد من قصف البناية التي كانت تؤوي عائلتي، العدالة وإن تأخرت، لا بد أن تأتي.”
اليوم، تبقى كلمات آية شاهدة على وحشية الاحتلال وعلى الألم الذي عاشه أهل غزة. لكنها أيضاً صرخة أمل، رسالة تقول: صوت من فقد أحباءه لا يجب أن يُنسى، وذاكرة من عاش الإبادة تستحق أن تصل إلى كل قلب في العالم.
في كتابها، لم تمت العائلة تحت الركام فحسب، بل بقي صوت غزة حياً، يجب أن يسمعه الجميع صوت يروي الألم ويطالب بالعدالة، صوت لن يتوقف عن الصراخ، حتى يسمعه كل من يتجاهل الحقيقة .




