أصدر الجيش الإسرائيلي، اليوم الثلاثاء، إنذاراً عاجلاً وشاملاً لسكان مدينة صور الساحلية في جنوب لبنان، بالإضافة إلى عدد من المخيمات والتجمعات السكنية والأحياء المجاورة لها، مطالباً إياهم بالإخلاء الفوري والنزوح صوب مناطق تقع إلى الشمال من نهر الزهراني.
ونشر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي خرائط حدد فيها مناطق واسعة شملها أمر الإخلاء، محذراً من أن القوات الإسرائيلية ستعمل بقوة ضد ما وصفه بمنشآت وأسلحة تابعة لحزب الله في تلك المواقع، ومؤكداً أن البقاء بالقرب من عناصر الحزب أو مقراته يعرض حياة المدنيين للخطر الشديد.
ومثّل هذا الإنذار تصعيداً لافتاً كونه شمل للمرة الأولى مناطق وأحياء تاريخية مأهولة بكثافة، بما في ذلك “الحي المسيحي” القديم في صور ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين مثل الرشيدية والبص والبرج الشمالي، فضلاً عن بلدات محيطة كالحوش وعين بعال وجل البحر وشبريحا.
ولم تمضِ سوى ساعات قليلة على صدور أوامر الإخلاء حتى شنت المقاتلات والطائرات المسيرة الإسرائيلية سلسلة من الغارات الجوية العنيفة والمكثفة التي هزت أرجاء مدينة صور وقضاءها ومحافظة النبطية المجاورة. وتركزت أعنف الضربات على منطقة “المساكن الشعبية” في صور، مما أدى إلى تدمير عدة مباني سكنية ومحال تجارية بالكامل، وأسفرت الحصيلة الأولية للغارات عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة ثمانية وعشرين آخرين بجروح متفاوتة في تلك المنطقة وحدها، بينما واصلت فرق الإسعاف والإنقاذ عمليات البحث المضنية تحت الأنقاض عن مفقودين.
وامتدت موجة القصف الجوي والمدفعي لتطال بلدات دير قانون رأس العين والرمادية والعباسية وكفررمان وعدشيت وحبوش، مما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص آخرين بينهم فتى في السادسة عشرة من عمره استهدفته مسيرة أمام منزله، ليرتفع إجمالي ضحايا التصعيد خلال الساعات الأخيرة إلى ثلاثة عشر قتيلاً وأكثر من ثلاثين جريحاً، فضلاً عن إصابة عنصرين من الدفاع المدني اللبناني جراء غارة مزدوجة استهدفت فريقهما أثناء محاولتهما إنقاذ جرحى في بلدة الشرقية.
وتسببت هذه الإنذارات المتلاحقة والقصف العنيف في إثارة حالة عارمة من الذعر والهلع بين السكان المحليين وآلاف العائلات النازحة التي كانت قد لمت شملها ولجأت إلى صور في وقت سابق هرباً من القرى الحدودية الأكثر خطورة. وشهدت المدينة ومحيطها موجة نزوح كثيفة وحاشدة، حيث تكدست السيارات في اختناقات مرورية حادة على الطرق المؤدية شمالاً نحو مدينة صيدا ومناطق أخرى، في ظل امتلاء مراكز الإيواء الرسمية والمدارس بالنازحين تماماً وعدم قدرتها الاستيعابية على استقبال المزيد.
وأبدت أوساط حقوقية وثقافية قلقاً بالغاً إزاء اتساع رقعة الاستهداف الإسرائيلي لمدينة صور المدرجة على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، حيث أدانت وزارة الثقافة اللبنانية الأضرار الجسيمة التي تلحق بالنسيج العمراني التاريخي والمواقع الأثرية المحيطة بالمدينة جراء عصف الانفجارات المتكررة، وسط تحذيرات أممية مستمرة من الانهيار الكامل للقطاع الصحي والإنساني جنوبي البلاد تحت وطأة الحصار العسكري والضربات الجوية المستمرة برغم مساعي التهدئة الدولية.



