شهدت الساحة اللبنانية، اليوم الأحد، تصعيداً عسكرياً هو الأعنف منذ بدء المواجهات في مطلع مارس من العام الحالي، حيث نفذت المقاتلات الحربية الإسرائيلية غارة جوية استهدفت شققاً سكنية في منطقة تحويطة الغدير ومبنى في حي السلم بالضاحية الجنوبية لبيروت.
وجاء هذا الهجوم بتوجيهات مباشرة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، حيث أعلن المكتب المشترك لهما أن القصف جاء كـ “رد فعل فوري” على الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي أطلقها حزب الله باتجاه المواقع الإسرائيلية، في خطوة فسرها المراجرون بأنها محاولة لفرض معادلة عسكرية جديدة تقضي بضرب العمق اللبناني والضاحية مقابل كل قصف يستهدف المستوطنات.
وقد لاقت هذه الخطوة تأييداً وتحريضاً علنياً من أقطاب اليمين المتطرف داخل الحكومة الإسرائيلية، إذ سارع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بنشر تغريدة مقتضبة احتوت على كلمة “الضاحية” للإشارة إلى الدعم السياسي المطلق لتوسيع رقعة العمليات وتدمير معاقل الحزب.
وبالتوازي مع استهداف العاصمة، وسع الجيش الإسرائيلي دائرته التدميرية في عمق الجنوب اللبناني، حيث أصدر الناطق باسم الجيش إنذارات إخلاء قسرية وفورية لسكان مدينة صور الساحلية التاريخية وعدد من المخيمات الفلسطينية المحيطة بها مثل مخيم البص وزقاق المفتي، مطالبةً الأهالي بالتوجه الفوري إلى شمال نهر الزهراني.
وتزامن ذلك مع سلسلة غارات عنيفة شنتها الطائرات والمسيرات على مدن وقرى قضاء النبطية وصيدا، مما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين من بينهم قتيل على دراجة نارية في بلدة زفتا، وارتفاع حصيلة القتلى في بلدة السكسكية إلى شخصين وإصابة 22 آخرين بجروح متفاوتة.
كما تأتي هذه التطورات الميدانية الدامية بعد يوم واحد فقط من استهداف إسرائيلي مباشر لمركبة تابعة للجيش اللبناني على طريق كفرتبنيت-الخردلي، والذي أدى إلى مقتل ثلاثة عسكريين بينهم ضابطان برتبة عميد ونقيب، وهو ما استدعى إدانات واسعة وتأكيداً من القيادة اللبنانية على تعمد الاحتلال استهداف المواقع والآليات الرسمية.
أما على صعيد العمليات البرية ومحاولات التوغل، فقد شهدت محاور قضاء النبطية معارك ضارية وسط تضارب في الأنباء؛ إذ ادعت تقارير إعلامية عبرية بدء توغل بري عند أطراف مدينة النبطية باستخدام روبوتات عسكرية متطورة للكشف عن العبوات الناسفة وتمهيد الطريق للقوات.
في المقابل، نفت مصادر ميدانية وعسكرية لبنانية قاطعة وصول الآليات الإسرائيلية إلى أطراف المدينة، مؤكدة أن مقاتلي حزب الله نجحوا في إفشال محاولات التقدم، لا سيما الهجوم الذي استهدف بلدة ميفدون الليلة الماضية وأُجبرت فيه القوات المهاجمة على التراجع.
ولا تزال المعارك البرية تتركز في القرى المحيطة بالنبطية مثل زوطر الشرقية وأرنون ويحمر الشقيف، في حين يحافظ الجيش اللبناني على تموضعه في نقاط كفرتبنيت والنبطية الفوقا التي تمثل الممرات الأساسية المؤدية إلى قلب المدينة لمنع أي اختراق للدفاعات.
وفي سياق هذه التطورات الميدانية المتلاحقة، برزت تصريحات بالغة الخطورة لقيادات عسكرية إسرائيلية في قيادة المنطقة الشمالية، والذين مارسوا ضغوطاً متواصلة على المستوى السياسي لتوسيع رقعة الغارات الجوية والعمليات البرية الشاملة.
ونقلت الأوساط العسكرية عن هؤلاء القادة رؤية استراتيجية تفيد بأن التوصل إلى اتفاقيات تهدئة مؤقتة أو “مناطق تجريبية” لن يضمن نزع سلاح حزب الله أو إنهاء تهديده لشمال إسرائيل بشكل مستدام.
وأكدت تلك القيادات أن التفكيك الكامل للبنية التحتية العسكرية للحزب والتحقق من عدم إعادة بنائها يتطلب “احتلالاً عسكرياً كاملاً” للأراضي اللبنانية وفرض السيطرة الميدانية المباشرة، وهو ما يعكس رغبة الجيش في إلحاق أكبر قدر ممكن من الدمار والتوغل إلى أبعد مدى ممكن قبل الرضوخ لأي ضغوط دولية أو مساعٍ أمريكية لوقف إطلاق النار.
وتأتي هذه التطورات الميدانية العنيفة والتصريحات التصعيدية لتلقي بظلال قاتمة على الجهود الدبلوماسية الدولية؛ إذ جاء هذا الانفجار العسكري بعد أيام قليلة من إعلان حزب الله على لسان أمينه العام نعيم قاسم عن رفضه القاطع لمقترح الهدنة المدعوم أمريكياً والذي وافقت عليه الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام بشكل مبدئي.
واعتبر الحزب أن الصيغة المقترحة والتي تنص على انسحاب مقاتليه إلى شمال نهر الليطاني تمثل “خارطة طريق لإبادة جزء من الشعب اللبناني”، مشترطاً الوقف الشامل للعدوان والانسحاب الإسرائيلي الكامل من كافة الأراضي المحتلة قبل الحديث عن أي تسوية.
ومع انهيار مساعي التهدئة التي حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إرساءها، باتت المنطقة مفتوحة على سيناريوهات حرب شاملة، خصوصاً مع استعدادات متبادلة في إسرائيل لرد محتمل قد ينطلق من جبهات إقليمية متعددة تشمل إيران وفصائلها في المنطقة.



