أخبار المنطقة

طهران تتريث وواشنطن تترقب.. كواليس التوقيع الإلكتروني لـ “مذكرة إسلام آباد”

تسود حالة من الترقب الدولي المحموم في العواصم الكبرى مع اقتراب الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية من وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق إطاري تاريخي يهدف إلى إنهاء الصراع العسكري الدامي ومحاولة إعادة الاستقرار إلى منطقة الشرق الأوسط، وسط جهود وساطة مكثفة تقودها جمهورية باكستان الإسلامية التي نجحت في تقريب وجهات النظر وصياغة مسودة تفاهم مشتركة عُرفت باسم “مذكرة تفاهم إسلام آباد” بعد أسابيع من المفاوضات المعقدة التي أعقبت الهدنة الهشة المعلنة بين الطرفين منذ مطلع شهر أبريل الماضي.

وقد تسارعت وتيرة الأحداث بشكل لافت عقب إعلان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن الصيغة النهائية لنص اتفاق السلام قد تم التوصل إليها بالفعل بعد تنسيق وثيق مع القيادات العليا في كل من واشنطن وطهران، مشيراً إلى أن إسلام آباد أتمت الاستعدادات التقنية واللوجستية الكاملة لاستضافة مراسم توقيع إلكتروني مرتقبة تجري “عن بُعد” بين الطرفين للتغلب على العقبات البروتوكولية واللوجستية، على أن تتبعها جولات من المباحثات الفنية في الأسبوع المقبل لتفكيك الملفات الأكثر تعقيداً وضمان ديمومة التهدئة.

وفي المقابل خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحات متفائلة عبر منصته “تروث سوشيال” مؤكداً أن توقيع المذكرة بات وشيكاً، وزفّ لأسواق الطاقة العالمية نبأً يفيد بأن مضيق هرمز الاستراتيجي سيُعاد فتحه أمام حركة الملاحة الدولية فوراً وبشكل كامل بمجرد إتمام التوقيع، زاعماً في الوقت ذاته أن الإدارة الأمريكية نجحت من خلال هذا التفاهم المفترض في بناء “جدار صد” يمنع إيران تماماً من السعي لامتلاك سلاح نووي، معتبراً أن العلاقات الثنائية بين البلدين ستتخذ مساراً مغايراً وأكثر إيجابية، لكنه لم يخلُ حديثه من لهجة تحذيرية بالإشارة إلى وجود “بدائل حاسمة” في حال تعثر هذا المسار.

وعلى الضفة الأخرى، بدت النبرة الرسمية القادمة من طهران أكثر حذراً وميلًا للتريث؛ حيث سارع المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إلى إضفاء نوع من الغموض على التوقيت الفعلي للتوقيع، نافياً بشكل قاطع إمكانية إتمام المراسم في الموعد الفوري الذي لمّح إليه ترامب، ومؤكداً أن “تذبذب وتردد الطرف الآخر” حال دون الحسم النهائي، كما شدد على أن هذه المذكرة المزمع توقيعها لا تمثل اتفاقاً نهائياً ومبرماً بل هي مجرد إطار عمل توجيهي لاستكمال المباحثات الشاقة، لا سيما أن هناك مهلة تمتد لستين يوماً ستُخصص لاحقاً للتفاوض على التفاصيل التقنية الخاصة بالملف النووي الإيراني.

وتتمحور البنود الجوهرية لمسودة الاتفاق الإقليمي حول نقطتين بالغتي الحساسية، أولاهما الرفع الكامل للحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة على الموانئ الإيرانية لشل صادراتها من الطاقة مقابل تخلي طهران عن الإجراءات الاستثنائية التي فرضتها في مضيق هرمز بما في ذلك نظام الرسوم والتحصيل الإجباري الذي اعتبرته دول غربية خرقاً للقوانين الدولية، وثانيهما معالجة المخزون الإيراني من اليورانيوم عالي التخصيب؛ حيث أشار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى أن الخيار الوحيد المطروح والقابل للتطبيق للتعامل مع هذا الملف هو “تخفيف وتخفيض نسبة تركيز اليورانيوم المشع أو عزله داخل الأراضي الإيرانية نفسها” تحت إشراف محدد، في حين لا تزال هناك تباينات حول آليات التخلص من هذه النفايات والمواد بعد الضربات العسكرية الكثيفة التي تعرضت لها المنشآت النووية سابقاً.

وقد انعكست هذه التفاهمات سريعاً على الساحة السياسية الداخلية والإقليمية، ففي طهران خرجت تظاهرات شعبية قادتها تيارات وتكتلات محافظة ومتشددة عبرت عن رفضها القاطع للاتفاق؛ حيث شنت صحف بارزة مثل “كيهان” المقربة من مراكز القرار هجوماً لاذعاً على التوجه الدبلوماسي، معتبرة أن السيطرة على مضيق هرمز تمثل أوراق القوة الردعية الكبرى لإيران ولا يجوز التنازل عنها أو التفاوض بشأنها، فيما رأت صحيفة “خراسان” أن الاتفاق مجرد تأجيل مؤقت للمواجهة الحتمية مع واشنطن، وعلى الجانب الآخر قوبلت هذه الأنباء بارتباك شديد وقلق بالغ داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية؛ حيث أبدى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تخوفه من أي صيغة قد تسمح ببقاء المواد النووية المخصبة داخل إيران، معتبراً ذلك تهديداً مباشراً للأمن القومي الإسرائيلي والتزامات واشنطن السابقة.

وفي سياق متصل، كجزء من تفاهمات التهدئة الإقليمية الأوسع والدفع نحو إنجاح الوساطة، وافقت دولة الإمارات العربية المتحدة على خطوة بناء ثقة رئيسية تمثلت في الإفراج عن أصول مالية إيرانية مجمدة ومحتجزة لديها تبلغ قيمتها حوالي 10 مليارات دولار، وهو ما جرى بالتنسيق مع القنوات الدبلوماسية الخليجية والباكستانية لدعم حزمة الحوافز الاقتصادية والمالية الرامية لتشجيع القيادة الإيرانية على المضي قدماً في التوقيع وتخفيف الضغوط المعيشية والداخلية قبل الإعلان الرسمي المرتقب.