تقارير

خارطة طريق القاهرة.. هل تنجح الدبلوماسية الإقليمية في إنقاذ اتفاق غزة المتعثر؟ 

في محاولة جديدة لكسر الجمود الذي يحيط باتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تستضيف القاهرة حراكاً سياسياً ومفاوضات مكثفة تجمع فصائل فلسطينية ووسطاء من مصر وقطر وتركيا، وسط تساؤلات متزايدة حول فرص التوصل إلى تفاهمات تعيد الاتفاق إلى مسار التنفيذ، وتمهد للانتقال إلى المرحلة الثانية التي لا تزال ملفاتها الأكثر تعقيدًا عالقة على طاولة النقاش.

وبحسب ما أوردته قناة “القاهرة الإخبارية” نقلاً عن بيان مصري، شهدت العاصمة المصرية، الأحد، اجتماعاً رفيع المستوى ضم رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، ورئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، إلى جانب ممثلين عن عدد من الفصائل الفلسطينية.

ووفق البيان، ركز الاجتماع على دفع المفاوضات المتعلقة بتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، كما ناقش المشاركون “خارطة طريق” مقترحة لاستكمال تنفيذ الاتفاق، في أجواء وصفت بالإيجابية.

جهود لكسر الجمود

وتأتي هذه اللقاءات في ظل تعثر تنفيذ الاتفاق نتيجة استمرار الخروقات الإسرائيلية، وغياب التقدم في عدد من الملفات الجوهرية المرتبطة بالمرحلة الثانية.

وكانت حركة “حماس” قد أعلنت، الجمعة، وصول وفد منها إلى القاهرة لبدء جولة مباحثات تستمر عدة أيام، فيما أكد المتحدث باسم الحركة حازم قاسم، في اليوم التالي، انطلاق اجتماعات بين الوسطاء والفصائل الفلسطينية لبحث استكمال المرحلة الأولى والانتقال إلى مناقشة ترتيبات المرحلة الثانية.

وفي السياق ذاته، تحدثت مصادر مصرية عن جهود مكثفة تبذلها القاهرة والدوحة وأنقرة من أجل تجاوز العقبات التي تعترض تنفيذ الاتفاق وإعادة إطلاق المسار التفاوضي.

“سلاح غزة” في قلب النقاشات

بالتوازي مع الاجتماعات الرسمية، تواصل الفصائل الفلسطينية اجتماعاتها الثنائية والجماعية في القاهرة لليوم الثالث على التوالي، حيث تركزت النقاشات بشكل أساسي على المقترحات المقدمة من الوسطاء، وخاصة تلك المرتبطة بملف سلاح الفصائل في قطاع غزة.

وبحسب مصادر مطلعة، استعرضت الفصائل خلال اجتماعاتها ما تضمنته ورقة “خارطة الطريق” التي قدمها ممثل “مجلس السلام” نيكولاي ملادينوف أمام مجلس الأمن الدولي، والتي تتناول آليات تنفيذ مراحل الاتفاق وجدولاً زمنياً للتعامل مع ملف السلاح.

وأشارت المصادر إلى أن المخابرات المصرية شاركت في جزء من تلك الاجتماعات، وقدمت للفصائل صورة عن المقترحات المتداولة لدى الوسطاء، مؤكدة أهمية مناقشتها ضمن إطار المفاوضات الجارية.

ورغم وجود تباينات بين الفصائل حول بعض التفاصيل الفنية وآليات التنفيذ، إلا أن المشاركين أجمعوا على اعتبار ملف السلاح “شأناً فلسطينياً داخلياً”، مع التأكيد على أن أي ترتيبات تتعلق به يجب أن تتم عبر جهة فلسطينية، وليس من خلال الاحتلال الإسرائيلي.

مرتكزات فلسطينية

وقبل الخوض في تفاصيل ملف السلاح، طرحت الفصائل مجموعة من الشروط والمرتكزات التي ترى أنها ضرورية لإنجاح أي ترتيبات مستقبلية.

وتشمل هذه المرتكزات إنهاء ظاهرة المجموعات المسلحة المتعاونة مع إسرائيل، وتمكين لجنة إدارة غزة من مباشرة عملها داخل القطاع، بالتزامن مع انسحاب قوات الاحتلال من المناطق التي أعادت التوسع فيها بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، وصولاً إلى وضع جدول زمني واضح للانسحاب الكامل من القطاع.

كما ناقشت بعض الفصائل تصوراً يقضي بتسلم لجنة إدارة غزة الملف الأمني كاملاً من وزارة الداخلية، بما يشمل المقرات والكوادر والملفات الأمنية والسلاح، باعتبار ذلك أحد المخارج الممكنة للتعامل مع الملف ضمن إطار فلسطيني داخلي.

مرحلة مليئة بالتحديات

وتُعد المرحلة الثانية من الاتفاق الأكثر تعقيداً، إذ تشمل ملفات سياسية وأمنية واسعة، من بينها استكمال الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وترتيبات إدارة غزة، وإعادة الإعمار، وعمل القوة الدولية المقترحة، إضافة إلى ملف سلاح الفصائل الفلسطينية.

ورغم الحديث عن إحراز تقدم في بعض الجوانب المتعلقة بالإدارة المدنية وتشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية، فإن القضايا المرتبطة بالسلاح والانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار لا تزال محل نقاش بين الأطراف المختلفة.

وفي هذا الإطار، تتجه الأنظار إلى ورقة جديدة يُتوقع أن يقدمها الوسطاء خلال الفترة المقبلة، تتضمن صيغة توفيقية تجمع بين ملاحظات الفصائل الفلسطينية وبنود “خارطة الطريق” التي طرحها ملادينوف، في محاولة للوصول إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ.

القاهرة ومصير الاتفاق

ومع استمرار الاجتماعات ومشاركة ثمانية فصائل فلسطينية، بينها حماس والجهاد الإسلامي والجبهتان الشعبية والديمقراطية، تبرز القاهرة مجدداً كساحة رئيسية لصياغة مستقبل المرحلة المقبلة في غزة.

غير أن نجاح هذه الجهود يبقى مرهوناً بمدى قدرة الوسطاء على تجاوز الخلافات العالقة، وضمان التزام جميع الأطراف ببنود الاتفاق، خاصة في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وإغلاق المعابر وتعثر إدخال المساعدات.

وبين التفاؤل الحذر والتحديات المعقدة، يبقى السؤال المطروح: هل تنجح “خارطة الطريق” الجديدة في إعادة اتفاق غزة إلى الحياة، أم أن الملفات العالقة ستبقيه رهينة المفاوضات المفتوحة؟

المصدر : وكالات