تشهد العلاقات الأمريكية الإيرانية فصلاً جديداً من التصعيد الدبلوماسي والعسكري في ظل المفاوضات الجارية لإنهاء النزاع وإعادة فتح مضيق هرمز، حيث تبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقفاً حازماً وغير مسبوق برفضه القاطع للإفراج المسبق عن أي جزء من أموال إيران المجمدة في الخارج، والتي تطالب طهران بفك الحظر عنها كشرط أساسي لإحراز تقدم حقيقي في المحادثات.
وقد أوضح الرئيس الأمريكي في مقابلة حصرية ومتلفزة ببرنامج “مواجهة الصحافة” (Meet the Press) على شبكة “إن بي سي نيوز” بثت اليوم، الأحد، أن الولايات المتحدة لن ترفع التجميد عن الأصول الإيرانية البالغة مليارات الدولارات أو تخفف العقوبات المفروضة قبل التوصل إلى اتفاق سلام شامل ونهائي، مستخدماً عبارة صريحة تؤكد أن مناقشة ملف الأموال المؤجلة ستتم فقط “إذا أحسنت إيران التصرف وقامت بعمل جيد”.
وفيما يخص الملف النووي الشائك ومخزونات اليورانيوم عالي التخصيب التي تمتلكها طهران، كشف ترامب عن استراتيجية واضحة تتضمن مسارين؛ الأول تعاوني يقضي بمساعدة إيران في التخلص من مخزونها وتدميره عبر إشراف وإدارة وبمعدات أمريكية متكاملة سواء داخل المواقع أو بنقلها إلى الخارج في حال تم التوقيع على الاتفاق، والمسار الثاني عسكري شديد العنف تتوعد فيه واشنطن بالتدخل العسكري المباشر للسيطرة على تلك المواد النووية وتدميرها بالقوة إذا ما فشلت الجهود الدبلوماسية وسلكت المفاوضات طريقاً مسدوداً.
ولم تتوقف اشتراطات الإدارة الأمريكية عند السيطرة على اليورانيوم وتدميره، بل امتدت لتشمل القدرات الصاروخية ومحاولات تقييد التسلح مستقبلاً، إذ أكد ترامب أنه رغم إشارة الإيرانيين إلى قبولهم بعدم تطوير أو امتلاك أسلحة نووية، فإنه يصر على صياغة بنود قانونية مغلظة وموسعة في نص الاتفاق المرتقب تمنع طهران صراحة من “شراء أو حيازة أو الحصول” على أي تكنولوجيا نووية بأي طريقة كانت، مشيراً إلى أن بلاده تراقب كافة المنشآت والتحركات النووية الإيرانية بدقة فائقة من خلال “كاميرات في الفضاء” وتقنيات رصد فضائية متطورة جداً تغنيها عن التسرع، بالتزامن مع استمرار الحصار الذي تفرضه واشنطن.
وعلى الجانب الآخر، تبدي طهران تحفظاً ومقاومة شديدة للمنهج الأمريكي، حيث أكدت الأوساط والمسؤولون الإيرانيون أن الثقة تبدأ من الإفراج عن الأصول؛ إذ صرح محسن رضائي، المستشار العسكري للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، لشبكة “سي إن إن”، بأن الإفراج عن 24 مليار دولار من الأموال المجمدة يمثل “اختباراً حقيقياً لمدى جدية وصدق واشنطن” لإنهاء الحرب، محذراً من أن العودة إلى خيار القتال ستدفع بالولايات المتحدة إلى نفق مظلم، بينما أشارت مصادر إيرانية مطلعة إلى وجود مقترح سابق لفتح مضيق هرمز يتضمن مرحلة أولى يُفرج فيها عن 12 مليار دولار، وهو ما ترفضه واشنطن كلياً قبل تسليم اليورانيوم المخصب.
وتتزامن هذه التطورات مع كشف وسائل إعلام أمريكية عن دراسة وزارة الخزانة الأمريكية لمقترح يقضي بإعادة تخصيص جزء من هذه الأموال الإيرانية المجمدة وتوجيهها لتمويل عمليات الإعمار وإصلاح الأضرار التي لحقت ببعض حلفاء واشنطن في الخليج العربي، مثل الكويت والبحرين، نتيجة الهجمات الأخيرة بالصواريخ والطائرات المسيرة، وهو ما يضيف تعقيداً جديداً إلى طاولة المفاوضات التي تصفها طهران بالتناقض وعدم الاستقرار نظراً للضغوط والشروط الإضافية التي يفرضها البيت الأبيض باستمرار.
ورغم الهجمات العسكرية المتبادلة مؤخراً في مياه الخليج ومحيط جزيرة قشم، ومطالبة واشنطن بضمانات مكتوبة لتفكيك شبكات ألغام مضيق هرمز والتعهد الشامل بالامتثال النووي، أشار ترامب إلى أن الجانبين يظلان “قريبين جداً” من صياغة تفاهمات، وأبدى انفتاحه الشخصي لعقد لقاء مباشر مع الزعيم الإيراني مجتبى خامنئي، واصفاً إياه بأنه يتصرف بطريقة “أكثر عقلانية” في إدارة الأزمة الحالية مقارنة بالماضي، مع تأكيده على بقاء القوات الأمريكية في المنطقة لحين التنفيذ الكامل والآمن لأي اتفاق محتمل.



