تقارير

تحقيقات الاحتلال في شهداء غزة الـ35: آلية مؤسسية لإفلات القادة من العقاب

35 شهيدًا في غزة.. تحقيقات الاحتلال تحصّن المسؤولين

غزة_ الوعل اليمني

قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن التحقيقات الداخلية التي أعلنها جيش الاحتلال الإسرائيلي بشأن خمس وقائع أسفرت عن استشهاد 35 فلسطينيًا وعاملًا في المجالين الإنساني والطبي بقطاع غزة، لا ترقى إلى تحقيقات جنائية مستقلة وفعالة، معتبرًا أنها تعيد إنتاج نهج الإفلات من العقاب.

وأوضح المرصد، في بيان الخميس، أن جيش الاحتلال أقر بالوقائع التي شملت استهداف قافلة المطبخ المركزي العالمي، واستشهاد الطفلة هند رجب وأفراد من عائلتها ومسعفين من الهلال الأحمر الفلسطيني، ومجزرة طواقم الإسعاف والدفاع المدني في تل السلطان، إلى جانب استهداف مأوى تابع لمنظمة أطباء بلا حدود وقافلة أخرى للمنظمة.

وبحسب المرصد، قرر جيش الاحتلال فتح تحقيقين جنائيين فقط، أحدهما في واقعة هند رجب وعائلتها والمسعفين، والآخر في استهداف طواقم الإنقاذ في تل السلطان، بينما رفض فتح تحقيقات جنائية في الوقائع الثلاث الأخرى.

وأشار الأورومتوسطي إلى أن ما أعلنه جيش الاحتلال لا يمثل نتائج تحقيقات جنائية مكتملة، وإنما خلاصات فحص وقائعي أجرته آلية تابعة لهيئة الأركان، قبل إحالتها إلى النيابة العسكرية لاتخاذ قرار بشأن فتح تحقيق جنائي من عدمه.

واعتبر أن استمرار مراحل الفحص والإحالة والتحقيق داخل المؤسسة العسكرية نفسها يثير مخاوف جدية بشأن الاستقلال والحياد والشفافية، خاصة عندما يمكن أن تمتد المسؤولية إلى كبار القادة أو السياسات والأوامر العملياتية.

كما أكد أن التحقيق في حالات القتل المحتمل غير المشروع يجب أن يكون مستقلًا ومحايدًا وسريعًا وشاملًا وفعالًا وشفافًا، وأن يحدد المسؤوليات الفردية والقيادية، بدل الاكتفاء بإجراءات إدارية أو تأديبية.

قافلة المطبخ

وفي قضية استهداف قافلة المطبخ المركزي العالمي في أبريل/نيسان 2024، أقر جيش الاحتلال بوجود “إخفاقات جسيمة” خلال العملية التي أدت إلى استشهاد سبعة من موظفي المؤسسة.

ورغم ذلك، خلص الجيش إلى عدم وجود شبهة جنائية تستوجب التحقيق، وهو ما انتقده المرصد بشدة، مشيرًا إلى أن الضربات الثلاث التي استهدفت مركبات القافلة كانت تستوجب إعادة التحقق من طبيعة الهدف قبل كل ضربة.

وأكد الأورومتوسطي أن وجود شخص مسلح أو حراسة مسلحة، حتى لو ثبت، لا يحوّل جميع أفراد القافلة إلى أهداف عسكرية ولا يسقط عن مركباتها صفتها المدنية.

هند رجب

أما في قضية الطفلة هند رجب، فأقر جيش الاحتلال للمرة الأولى بإطلاق قواته النار على سيارة عائلتها، ما أدى إلى استشهاد خمسة من ركابها، فيما بقيت هند وابنة عمها ليان على قيد الحياة عقب إطلاق النار الأول.

وبعد ذلك، بقيت هند على اتصال بطواقم الإنقاذ، بينما جرى تنسيق وصول سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر الفلسطيني إليها، قبل استشهاد المسعفين يوسف الزينو وأحمد المدهون.

ورغم ذلك، ربط جيش الاحتلال التحقيق الجنائي بما وصفه بإخفاقات في تنسيق حركة سيارة الإسعاف، دون أن يعلن بوضوح ما إذا كان التحقيق سيشمل إطلاق النار على سيارة العائلة، واستشهاد ليان وهند، واستهداف سيارة الإسعاف.

وأشار المرصد إلى أن تحقيقات فنية مستقلة وثقت 335 أثرًا للطلقات على سيارة العائلة، ورجحت بقوة أن مصدرها القوات الإسرائيلية من مسافة قريبة، كما رجحت إصابة سيارة الإسعاف بذخيرة أطلقتها دبابة إسرائيلية.

مجزرة تل السلطان

وفي مجزرة تل السلطان برفح، أقر جيش الاحتلال بإطلاق النار على مركبات اتضح أنها سيارات إسعاف وسيارة إطفاء ومركبة تابعة للأمم المتحدة، ما أدى إلى استشهاد 15 شخصًا من طواقم الهلال الأحمر والدفاع المدني وموظف أممي.

وبحسب المرصد، أظهرت الأدلة المصورة أن الرواية الإسرائيلية الأولى بشأن عدم وجود أضواء أو إشارات طوارئ على المركبات تتعارض مع الوقائع الموثقة.

كما خلص تحقيق فني إلى توثيق ما لا يقل عن 910 طلقات، بينها 844 طلقة خلال خمس دقائق ونصف، مشيرًا إلى أن الجزء الأكبر من النيران خلال الفترة التي جرى تحليلها كان موجهًا نحو مركبات الطوارئ والعاملين فيها.

ولم يتوقف الأمر عند إطلاق النار، إذ أثار سحق مركبات الإنقاذ ودفن الجثامين جزئيًا، بحسب المرصد، شبهة مستقلة تتعلق بمحاولة إخفاء الأدلة والعبث بمسرح الجريمة.

أطباء بلا حدود

وفي واقعة أخرى، رفضت النيابة العسكرية فتح تحقيق جنائي في قصف مأوى تابع لمنظمة أطباء بلا حدود في منطقة المواصي، والذي أدى إلى استشهاد امرأتين وإصابة سبعة أشخاص.

وقالت المنظمة إن المبنى كان يؤوي 64 من موظفيها وأفراد عائلاتهم، وإنها أبلغت مسبقًا بموقعه، فيما كان علمها مثبتًا على واجهته.

واعتبر المرصد أن تبرير القصف استند إلى افتراضات بشأن احتمال وجود خطر، دون تقديم أساس كافٍ يثبت وجود هدف عسكري، مشددًا على ضرورة التحقق من المعلومات المتاحة للقوات قبل اتخاذ قرار الاستهداف.

كما انتقد إغلاق ملف إطلاق النار على قافلة لأطباء بلا حدود في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، والتي كانت تضم خمس مركبات تحمل شعار المنظمة وتنقل 137 شخصًا، بينهم 65 طفلًا.

وبينما زعم جيش الاحتلال أن الضحايا ربما استشهدوا نتيجة ارتداد رصاص تحذيري، أفاد ناجون برؤية دبابات وقناصة يوجهون أسلحتهم نحو القافلة، في وقت لم ينشر فيه الجيش فحصًا باليستيًا يحسم هذا التعارض.

إفلات من العقاب

وأكد الأورومتوسطي أن الوقائع الخمس لا ينبغي النظر إليها باعتبارها حوادث منفصلة، وإنما ضمن نمط أوسع من استهداف المدنيين والعاملين في المجالين الطبي والإنساني في قطاع غزة.

وأشار إلى أن جيش الاحتلال أعلن فحص نحو 150 واقعة منذ بدء الحرب وإحالة خلاصاتها إلى النيابة العسكرية، لكنه لم ينشر قائمة بهذه الوقائع أو مدد فحصها أو مصيرها أو عدد الملفات التي انتهت إلى تحقيقات جنائية أو لوائح اتهام.

وعليه، دعا المرصد المجتمع الدولي إلى عدم التعامل مع خلاصات الفحوص العسكرية الإسرائيلية باعتبارها دليلًا على تحقق المساءلة، أو استخدامها ذريعة لتعطيل التحقيقات الدولية.

كما طالب لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة والجهات الدولية المختصة بالوصول غير المقيد إلى قطاع غزة، وفحص الأدلة ومقابلة الشهود، وإجراء تحقيق مستقل وشامل يحدد المسؤوليات الفردية والقيادية.

ودعا كذلك المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إلى فحص الوقائع الخمس باعتبارها قد تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتوسيع نطاق التحقيق في الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.