خاص
في اليمن، لا تبدأ بعض المآسي بصوت انفجار، ولا تنتهي عند حدود معركة. هناك مآسٍ أكثر هدوءاً وأشد قسوة، تتسلل إلى البيوت بيتاً بيتاً، وتنتزع من الناس آخر ما تبقى لهم من شعور بالأمان.
خلال السنوات الماضية، اعتاد اليمنيون الحديث عن الجوع والمرض والبطالة وانقطاع الرواتب. لكن خلف هذه العناوين الكبيرة تنمو مأساة أخرى بصمت؛ مأساة أسر لم تعد تسأل عن تحسين مستوى المعيشة، بل عن كيفية البقاء داخل منازلها شهراً إضافياً.
في أحياء صنعاء القديمة وشوارع ذمار المكتظة وأزقة إب والحديدة، تتكرر الحكاية ذاتها. أبٌ يقضي يومه باحثاً عن عمل لا يجده. أمٌّ تخفي إشعارات الإيجار عن أطفالها. ومالك منزل ينتظر مستحقاته التي أصبحت بالنسبة له مسألة بقاء أيضاً.
بين هؤلاء جميعاً، تقف آلاف الأسر أمام سؤال ثقيل لا تملك له جواباً: ماذا يحدث عندما يصبح السقف نفسه رفاهية لا يستطيع الفقراء تحملها؟
إنذار أخير
في أحد أحياء صنعاء الشمالية، تحتفظ أم محمد بورقة صغيرة داخل درج خشبي قديم.ليست شهادة ميلاد، ولا وثيقة ملكية، بل إشعار أخير من مالك المنزل يطالبها بسداد الإيجارات المتراكمة خلال أيام.
تقول لـ”الوعل اليمني”:”كلما نظرت إلى الورقة أشعر أن البيت يضيق حولي. لم أعد أخاف من الديون بقدر خوفي من أن أرى أطفالي في الشارع.”
زوجها موظف حكومي لم يحصل على راتب منتظم منذ سنوات. حاول العمل في مهن مختلفة، لكن الدخل المتقطع لم يعد يكفي لتغطية الغذاء والكهرباء والإيجار معاً.
تضيف:”حين يمرض أحد الأطفال أضطر للاختيار بين الدواء والإيجار. وفي كل مرة أخسر شيئاً.”
نزوح صامت
في محافظة إب، انتقل عبدالسلام مع أسرته ثلاث مرات خلال أقل من عامين.في المرة الأولى عجز عن دفع الإيجار.وفي الثانية تراكمت الديون.أما الثالثة فكانت بعد أن باع كل ما يمكن بيعه.
يقول:”لم أعد أملك أثاثاً تقريباً. أصبحت حياتنا محصورة في حقائب يمكن حملها خلال دقائق.”ابنته ذات الاثني عشر عاماً لم تعد تسأل عن المدرسة أو الملابس الجديدة.
كل ما تسأل عنه هو إن كانوا سيبقون في المنزل الحالي أم سيغادرونه مرة أخرى.هذه الحالة لم تعد استثنائية.
عاملون في المجال الإنساني يؤكدون أن آلاف الأسر تشهد نوعاً جديداً من النزوح الداخلي غير المرئي، حيث تنتقل من منزل إلى آخر بسبب العجز عن دفع الإيجار، بعيداً عن أي إحصاءات رسمية أو تغطية إعلامية واسعة.
فقر متعدد
بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، يحتاج أكثر من 19 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية هذا العام.كما تشير تقديرات البنك الدولي إلى استمرار تراجع القدرة الشرائية للأسر اليمنية بسبب الانكماش الاقتصادي وارتفاع الأسعار وتدهور مصادر الدخل.لكن الباحث الاقتصادي رشيد الآنسي يرى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الأرقام وحدها.
ويقول لـ”الوعل اليمني”:”الفقر في اليمن لم يعد يعني نقص الغذاء فقط. نحن أمام فقر مركب يشمل الغذاء والصحة والتعليم والسكن في وقت واحد.”
ويضيف:”حين تفقد الأسرة قدرتها على دفع الإيجار، فهي لا تخسر منزلاً فقط، بل تخسر جزءاً من استقرارها النفسي والاجتماعي.”
غرفة واحدة
في ذمار، تسكن أم أحمد اليوم مع ثلاث أسر أخرى داخل منزل واحد.قبل عامين كانت تمتلك حياة بسيطة لكنها مستقرة.أما الآن فتتقاسم مطبخاً واحداً وحماماً واحداً مع أكثر من عشرين شخصاً.
تقول:”حين ينام الأطفال لا أجد مكاناً أجلس فيه. أصبحنا ضيوفاً دائمين على ضيق الآخرين.”
وتضيف بصوت خافت:”أحياناً أبكي لأنني لم أعد أستطيع أن أوفر لأطفالي حتى خصوصية النوم.”
الطفولة المؤجلة
تدفع هذه الأزمة الأطفال ثمنها أيضاً.ففي صنعاء، اضطر فتى يبلغ من العمر 14 عاماً إلى ترك المدرسة والعمل في ورشة ميكانيكا لمساعدة أسرته على دفع الإيجار.
وفي الحديدة، تعمل طفلة في بيع المناديل داخل الشوارع منذ أشهر بعد أن فقد والدها عمله.منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” حذرت مراراً من أن الضغوط الاقتصادية تدفع مزيداً من الأطفال إلى سوق العمل وتحرمهم من التعليم، ما يضاعف المخاطر الاجتماعية طويلة المدى.
خوف يومي
اللافت أن كثيراً من الأسر لا تتحدث عن الجوع أولاً.تتحدث عن الخوف.الخوف من طرق الباب.الخوف من مطالبة جديدة بالدفع.الخوف من أن تتحول الأسرة خلال ليلة واحدة إلى بلا مأوى.
يقول القاضي حميد جبران:”البيت ليس جدراناً فقط. إنه آخر مساحة يشعر فيها الإنسان أنه ما زال يملك شيئاً من السيطرة على حياته.”
ويضيف:”عندما يفقد الإنسان منزله يفقد معه جزءاً من كرامته وإحساسه بالأمان.”
وطن بالإيجار
في بلد يعيش واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم، لم يعد السؤال كم أسرة تعاني من الجوع، بل كم أسرة باتت مهددة بفقدان آخر ما يحميها من الانهيار الكامل.
خلف كل باب مغلق حكاية مؤجلة. وخلف كل إشعار إيجار أسرة تحاول شراء المزيد من الوقت. وخلف كل منزل مهدد بالإخلاء أطفال لا يفهمون الاقتصاد والحرب والسياسة، لكنهم يفهمون شيئاً واحداً فقط: أن البيت هو المكان الوحيد الذي يشعرون فيه بالأمان.وحين يتحول الأمان نفسه إلى فاتورة شهرية لا يستطيع الناس دفعها، تصبح المأساة أكبر من أزمة سكن.
تصبح قصة وطنٍ كامل يعيش على حافة الطرد.



