دخلت أزمة النقل الجوي في اليمن منعطفاً جديداً يعيد ترتيب أوراق الملف الإنساني والسياسي، عقب إعلان الخطوط الملكية الأردنية استكمال إجراءاتها الفنية واللوجستية لاستئناف رحلاتها المنتظمة بين عمّان وصنعاء. وتأتي هذه الخطوة، بحسب وزارة الخارجية الأردنية، استجابةً للاحتياجات الإنسانية الملحة للأشقاء في اليمن، ودعماً للجهود الإقليمية بقيادة المملكة العربية السعودية لدفع مسار السلام وتنفيذ التفاهمات السابقة المتعلقة بتسيير الرحلات التجارية.
جاء هذا الإعلان بعد عامٍ كامل من شللٍ شبه تام في حركة الطيران المدني بمطار صنعاء، إثر تعرض المطار لاستهداف جوي تسبب في تدمير 4 طائرات مدنية تابعة للخطوط الجوية اليمنية (الناقل الوطني)، ما تسبب في تفاقم معاناة آلاف المسافرين والمرضى الذين باتت خياراتهم في التنقل شبه منعدمة.
ترحيب حكومي
في العاصمة المؤقتة عدن، سارعت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى إصدار عبر بيان رسمي صادر عن الحكومة اليمنية رحبت فيه بالمبادرة الإنسانية للأشقاء في الأردن. وأعربت الحكومة عن بالغ تقديرها للموقف الأردني الثابت، مؤكدة التزامها الكامل بتقديم كافة التسهيلات اللوجستية والفنية والإدارية لإنجاح المبادرة، انطلاقاً من مسؤوليتها الدستورية تجاه المواطنين.
وأوضحت الحكومة أن هذه الخطوة تنسجم تماماً مع مبادراتها السابقة لتشغيل المطار بصورة قانونية وآمنة عبر الناقل الوطني وبما يحفظ السيادة الوطنية وقواعد القانون الدولي والاختصاص الحصري للدولة في إدارة مجالها الجوي.
وفي سياق متصل، كشف وزير النقل اليمني، محسن حيدرة العمري، في تصريحات إعلامية عن استراتيجية حكومية أوسع لتوسيع حركة النقل الجوي وإنهاء سياسة “الناقل الواحد”.
وأكد العمري أن سوق السفر اليمني بات أكبر مما كان عليه سابقاً، ولم تعد القدرة التشغيلية الحالية للخطوط اليمنية قادرة على تلبية الطلب المتزايد؛ ما دفع الوزارة لفتح المجال الجوي ودعوة شركات الطيران العربية والإقليمية والدولية لاستئناف رحلاتها عبر مطار عدن الدولي والمطارات الأخرى في المناطق المحررة لتوسيع خيارات المواطنين، مشيراً إلى أن الشركات الخاصة المحلية لا تزال في مرحلة التأسيس ولم تصل بعد للمستوى المطلوب لتخفيف الضغط.
تعنت حوثي
في المقابل، وسعياً منها لإجهاض أي تقارب إنساني لا يخدم أجندتها، سارعت ميليشيات الحوثي إلى إعلان رفضها المبدئي لهذه المبادرة، واضعةً اشتراطات تعجيزية.
وصفت الميليشيات الإعلان الأردني بأنه “محاولة للالتفاف على مطالب الشعب بخطوات شكلية يمكن أن تتوقف عند أي منعطف وتُستخدم للابتزاز بمجرد اتصال من النظام السعودي”.
واشترطت الميليشيات أن يتم الاتفاق مع “الجهات المختصة في صنعاء” دون قيد أو شرط وبما “ينهي الوصاية على اليمن”، مطالبة بفتح المطار أمام كافة الوجهات بلا استثناء، ورابطة ملف الطيران بملفات سياسية ومالية أخرى وعلى رأسها دفع رواتب الموظفين من إيرادات الدولة.
هذا الرفض قوبل بتحليل سياسي حاد من نائب رئيس هيئة التشاور والمصالحة الحكومية، عبدالملك المخلافي، الذي أكد أن إصرار ميليشيات الحوثي على إفشال رحلة عمّان-صنعاء الإنسانية، مقابل استماتتها لتنظيم رحلات إلى طهران، يكشف بوضوح تقديم مصالحها العسكرية والسياسية وأغراضها التسويقية الوهمية (تحت هاشتاق “كسرنا الحصار”) على مصالح اليمنيين.
وأشار المخلافي إلى أن الميليشيات لا تعبأ بحياة المواطنين، وأن تعنتها هذا لن يترك أمام الحكومة والتحالف العربي سوى اتخاذ الإجراءات الحازمة لحماية المصالح الوطنية والإقليمية، محملاً إياها وحدها التبعات ومطالباً بتضافر الجهود لإسقاطها.
خيارات صعبة
تضع هذه المواقف المتصلبة ملف الطيران المدني أمام معادلة معقدة وخيارات أحلاها مر.
فوفقاً لمصادر مطلعة تحدثت لوسائل إعلامية، فإن الحكومة الشرعية لم تكن تمانع هذه الرحلات في الأصل، بل أرادت منها “إسقاط ذرائع الميليشيات ومنع انتهاك الطيران الإيراني لسيادة الأجواء اليمنية” تحت غطاء الرحلات المدنية؛ حيث يرى مراقبون أن الميليشيات كانت ترفض التنسيق العربي وتصر على ناقل إيراني لأغراض عسكرية ولوجستية خاصة بها.
واختتمت الحكومة اليمنية بيانها بتحذير شديد اللهجة للميليشيات الحوثية من مغبة الاستمرار في خطاب التعبئة والتحشيد والزج بالشعب في مغامرات طائشة تخدم المشروع الإيراني، مطالبةً إياها بالكف عن النهج التخريبي، والإفراج الفوري عن أموال وأصول شركة الخطوط الجوية اليمنية المحتجزة في صنعاء، وضمان سلامة طواقمها.
كما شددت الحكومة على أن القوات المسلحة والأمن في الجاهزية القصوى لردع أي تهديد يستهدف أمن البلاد أو يحاول فرض أمر واقع بالقوة، لتظل تذاكر “الملكية الأردنية” معلقة بين رغبة إقليمية وحكومية لإنقاذ المواطنين، وإصرار حوثي على استخدام معاناة المسافرين كرهينة سياسية.



