شهدت العاصمة القطرية الدوحة اليوم، الأربعاء، انطلاق جولة مفاوضات فنية غير مباشرة بين وفدين من الولايات المتحدة وإيران، برعاية ووساطة مشتركة من قطر وباكستان، بهدف معالجة القضايا العالقة وإرساء أسس اتفاق سلام دائم ينهي الصراع الإقليمي.
وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية المكثفة تفعيلًا لبنود “مذكرة تفاهم إسلام آباد” المكونة من 14 نقطة، والتي وقعها عن بُعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في السابع عشر من يونيو الماضي، حيث أقرت المذكرة هدنة ممتدة لستين يومًا تُستغل لإجراء مفاوضات تفصيلية تفضي إلى تسوية شاملة للنزاع، بما في ذلك إنهاء الضربات العسكرية المتبادلة والترتيب لملف طهران النووي.
وجاء هذا التحرك الميداني في الدوحة عقب تصريحات حازمة وحاسمة أدلى بها رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين، محمد باقر قاليباف، في مقابلة تلفزيونية، شدد فيها على أن طهران لن تخوض أي مفاوضات رفيعة المستوى أو سياسية مباشرة بخصوص الاتفاق النهائي قبل تنفيذ خمسة شروط واشتراطات تم التمهيد لها في المذكرة، وتتضمن الوقف الفعلي والشامل لكافة الأعمال العدائية في المنطقة بما يشمل الجبهة اللبنانية، ورفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، وتفعيل استثناءات مؤقتة من العقوبات على قطاع النفط، إلى جانب الإفراج الكامل عن الأموال الإيرانية المجمدة.
وحذر قاليباف من أن الضمانات التي منحتها بلاده لحرية الملاحة دون فرض رسوم في مضيق هرمز صالحة فقط طوال مهلة الستين يومًا المحددة للتفاوض، مؤكدًا أن الوضع في المضيق لن يعود مطلقًا إلى ما كان عليه قبل الحرب، وأن بلاده مستعدة لكافة الاحتمالات بما فيها المواجهة العسكرية إذا أخلّت واشنطن بالتزاماتها.
وتركز النقاشات الحالية في غرف المفاوضات المغلقة بالدوحة على مستويين رئيسيين هما الأمني والاقتصادي؛ حيث تسعى الولايات المتحدة وفريقها الفني إلى انتزاع ضمانات واضحة وطويلة الأمد لضمان التدفق الحر والآمن لحركة الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز، الذي يعد شريان الطاقة العالمي ويمر عبره نحو خمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.
وفي المقابل، يركز الوفد الإيراني الذي يقوده مساعد وزير الخارجية، كاظم غريب آبادي، على آليات استعادة الأصول المالية المجمدة البالغة نحو 6 مليارات دولار كخطوة أولى، ضمن حزمة مالية أوسع نصت عليها المذكرة تشمل تسييل أصول أخرى والتمهيد لبرنامج إعادة إعمار، بينما نفت الخارجية الإيرانية بشكل قاطع وجود أي خطط لعقد لقاءات مباشرة مع الجانب الأمريكي على أي مستوى خلال هذه الجولة.
وعلى الصعيد السياسي، حظيت هذه الجولة بدعم لوجستي ودبلوماسي رفيع؛ إذ التقى رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، في الدوحة بكل من مبعوث الرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر لترتيب الأجواء وإعداد الأرضية الخصبة للمفاوضين الفنيين، دون مشاركتهما المباشرة في جلسات الخبراء.
ومن جانبه، أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تفاؤلًا حذرًا بشأن مسار هذه اللقاءات، مشيرًا في تصريحات صحفية إلى أن المحادثات في قطر تسير بشكل جيد وأن بلاده تسعى جاهدة لمنع إيران من حيازة سلاح نووي، فيما أكد نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، أن هذه المفاوضات الفنية تعد أداة حيوية لقطع الطريق أمام أي أزمات مستقبلية قد تهدد أمن واستقرار خطوط الملاحة الدولية.



