شهدت بلدة إيفيان لابان الفرنسية اليوم، الثلاثاء، انطلاق أعمال الدورة الثانية والخمسين لقمة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى، وسط أجواء سياسية مشحونة وتحديات دبلوماسية معقدة تواجه القادة الأوروبيين وحلفاءهم الغربيين.
وتأتي هذه القمة، الممتدة من الخامس عشر وحتى السابع عشر من يونيو لعام 2026، كأول اختبار حقيقي ومباشر للعلاقات بين العواصم الأوروبية والإدارة الأمريكية الحالية برئاسة دونالد ترامب، حيث يسعى القادة الأوروبيون بجهود حثيثة إلى “استيعاب” التوجهات السياسية والمواقف المفاجئة للرئيس الأمريكي، وبناء قواسم مشتركة تضمن استقرار النظام الدولي والاقتصاد العالمي المعرض للاهتزاز بفعل الصراعات المستعرة.
تتصدر مناقشات القمة في يومها الأول ملف الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تزايدت الضغوط على الحلفاء الغربيين عقب هجمات صاروخية روسية واسعة استهدفت كبريات المدن الأوكرانية. وجاءت هذه التصعيدات الميدانية في أعقاب اتصالين هاتفيين منفصلين أجراهما الرئيسان الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والروسي فلاديمير بوتين مع الرئيس ترامب بمناسبة عيد ميلاده الثمانين، ما يعكس حراكاً دبلوماسياً موازياً من واشنطن لإنهاء الصراع، وهو الأمر الذي يعقد حسابات الشركاء الأوروبيين.
وفي الوقت الذي بدأت فيه أوكرانيا رسمياً مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي كضمانة أمنية لمستقبلها، شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أن أي مفاوضات صحيحة لإنهاء الحرب يجب أن تجمع أوكرانيا وروسيا على طاولة واحدة، شريطة وجود تمثيل أوروبي وأمريكي فاعل، بينما تصر الإدارة الأمريكية الحالية على استبعاد فكرة انضمام كييف إلى حلف شمال الأطلسي “الناتو” في الوقت الراهن لحين وضع أوزار الحرب.
على صعيد آخر، يمثل ملف الشرق الأوسط والأزمة المستجدة مع إيران نقطة خلاف جوهرية ومحوراً رئيسياً للاجتماعات، لا سيما بعد التوترات الحادة الناتجة عن اتخاذ واشنطن قرارات عسكرية سابقة بشكل أحادي دون التشاور مع حلفائها في الناتو (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، وإيطاليا).
ورغم التهديدات الأمريكية السابقة بسحب جزء من القوات من تلك الدول بسبب عدم دعمهم الكامل لمواقفها، فإن نبرة المحادثات في “إيفيان” اتسمت بالهدوء والبراغماتية مدفوعة بالرغبة المشتركة في تخفيف التبعات الاقتصادية القاسية الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط. وقد رحب القادة الأوروبيون وكندا في بيان مشترك بالاختراق الدبلوماسي الأخير والتفاهمات المبدئية بين واشنطن وطهران، مطالبين بتسريع المفاوضات لتأمين إعادة فتح المضيق أمام ناقلات النفط فوراً، في حين أعرب ترامب عن تفاؤله بهبوط أسعار الطاقة وانتعاش الأسواق المالية، مقللاً من الحاجة إلى انتشار عسكري دولي واسع لتأمين الممر المائي، ومرحباً في الوقت ذاته بمشاركة رمزية لقطع بحرية من فرنسا وبريطانيا.
لتوسيع دائرة النقاش وإيجاد حلول مستدامة لأزمات المنطقة، انضم قادة دول شريكة من الشرق الأوسط إلى جلسات العمل المخصصة لإنهاء الأزمات وضمان الاستقرار الإقليمي، وفي مقدمتهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وقادة من دولة قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة. ويعد حضور الجانب العربي فرصة لبحث التعاون الاقتصادي والأمني المشترك ومناقشة ملفات مكافحة تهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية، إلى جانب عقد لقاءات ثنائية بارزة على هامش القمة، من أهمها اللقاء المرتقب بين الرئيس المصري ونظيره الأمريكي لتنسيق المواقف حول القضايا الإقليمية الساخنة.
ولم تقتصر الملفات المطروحة في جعبة الوفد الأمريكي على القضايا العسكرية والسياسية التقليدية، بل امتدت لتشمل قضايا حيوية أخرى يسعى ترامب لفرضها كأولويات دولية، مثل تعزيز قطاع إنتاج الطاقة، والحد من القيود التنظيمية والتجارية، ومناقشة الأطر القانونية والأخلاقية لتطوير الذكاء الاصطناعي.



