أعلنت حركة “عصائب أهل الحق”، التي يتزعمها الشيخ قيس الخزعلي وتعد واحدة من أبرز وأقوى الفصائل الشيعية المسلحة في العراق، اليوم الثلاثاء، عن خطوة استراتيجية غير مسبوقة بالشروع في فك ارتباط جناحها العسكري بهيئة الحشد الشعبي، والبدء في إجراءات جرد وتسليم سلاحها بالكامل إلى عهدة الدولة، على أن ترتبط عناصرها وألويتها مباشرة بالقائد العام للقوات المسلحة ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي.
وتأتي هذه الخطوة استجابةً للضغوط والمواقف الوطنية والسياسية المنسجمة مع دعوات المرجعية الدينية العليا المتمثلة بآية الله علي السيستاني، والموقف الجماعي الصادر عن تحالف “الإطار التنسيقي” الشيعي الحاكم الذي فوض رئيس الوزراء باتخاذ كافة التدابير لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية والشرعية والابتعاد عن كل ما يهدد استقرار البلاد.
وقد ترجمت الحركة هذا التحول اللوجستي والتنظيمي بإصدار بيان رسمي أكدت فيه تشكيل لجنة مركزية متخصصة برئاسة القيادي البارز الحاج جواد الطلباوي، وبعضوية قيادات أخرى مثل رافد صالح علي، وعبد الله شاكر كامل، وعلي حمزة كاظم، حيث أُنيطت بهذه اللجنة مهام تنفيذية دقيقة تشمل إجراء مسح شامل وإحصاء وجرد لكافة الأفراد والأسلحة والآليات والمعدات والوسائل اللوجستية التابعة للفصيل، والعمل على فصل الجناح السياسي للحركة كلياً عن ألوية العصائب المسلحة المنتشرة ميدانياً في عدة محافظات عراقية حيوية مثل صلاح الدين ونينوى، وذلك لدمجها وتحويل إمرتها وسيطرتها بالكامل إلى القوات النظامية العراقية بما يتوافق مع المعايير الأمنية للدولة دون أي إملاءات أو شروط مسبقة من الفصيل.
ولم يكن هذا الحراك الأمني معزولاً عن مشهد سياسي أوسع وأكثر تعقيداً في بغداد، إذ جاءت خطوة عصائب أهل الحق بعد أيام قليلة من قرار مماثل وحاسم اتخذه الزعيم الشيعي البارز مقتدى الصدر، والذي قضى بالانفكاك التام لـ “سرايا السلام” التابعة لتياره الوطني الشيعي عن أي إطار حزبي وإلحاقها الكامل بهياكل الدولة العسكرية، مما خلق قوة دفع سياسية وشعبية هائلة دفعت الحكومة العراقية وبدعم من ائتلاف الإطار التنسيقي الحاكم إلى تسريع وتيرة الضغط لتفكيك الأجنحة المسلحة الحزبية، وسط ترحيب رسمي واسع من أقطاب الحكم في العراق، حيث أشاد رئيس مجلس النواب العراقي بالموقف المسؤول للحركة ووصفه بالخطوة الدستورية الداعمة لبناء دولة قوية ومستقرة تحتكر القرار الأمني والعسكري، كما رحب الرئيس العراقي بالقرار مؤكداً على المبدأ الدستوري الثابت بأن يكون السلاح حصرياً بيد السلطة الشرعية لحماية السلم الأهلي.
ورغم الأجواء الإيجابية التي أشاعها هذا الإعلان في الأوساط الحكومية في بغداد، إلا أن مراقبين ومصادر أمنية يربطون بين هذه التحولات والضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة، لاسيما الشروط الصارمة الصادرة عن الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، والتي تضغط بقوة لتقويض نفوذ الفصائل الحليفة لإيران وإبعاد القيادات المرتبطة بها عن مفاصل القرار الحكومي الجديد في العراق كشرط لدعم استقرار واقتصاد البلاد، وهو ما دفع القائم بأعمال السفارة الأمريكية في بغداد جوشوا هاريس إلى الإشادة بقرار حصر السلاح خلال لقائه بمستشار الأمن القومي العراقي، في وقت تبحث فيه السلطات العراقية طرح مشروع لتأسيس وزارة أمنية موحدة تدمج هيئة الحشد الشعبي ضمن هيكل رسمي تسيطر عليه الدولة مباشرة لطمأنة المجتمع الدولي والشركاء الاقتصاديين.
وفي مقابل هذه الاندفاعة الحكومية نحو نزع السلاح الحزبي، فإن هذا التحول كشف عن انقسام حاد وشروخ عميقة داخل بنية الفصائل المسلحة في العراق؛ فبينما اتجهت فصائل كبرى كالعصائب وسرايا السلام نحو مسار الاندماج بالدولة، أعلنت جماعات وفصائل أخرى حليفة لطهران، ومن أبرزها “كتائب حزب الله” و حركة “أصحاب الكهف” وجماعات تابعة للمقاومة الإسلامية في العراق، رفضها المطلق للتخلي عن ترسانتها العسكرية أو مناقشة نزع سلاحها في الوقت الحالي، رابطةً أي خطوة من هذا النوع بانسحاب كامل ودائم لكافة القوات الأجنبية والأمريكية من الأراضي العراقية، مما يضع حكومة بغداد والمنظومة الأمنية أمام اختبار حقيقي ومعقد حول مدى قدرتها الفصائلية على تطبيق هذا النموذج التنظيمي الجديد على كافة الأطراف دون الانزلاق إلى مواجهات داخلية مسلحة قد تعصف بجهود الاستقرار.



