أصدرت منظمة الصحة العالمية، اليوم الثلاثاء، تجديداً عاجلاً لتحذيراتها الدولية بشأن اتساع رقعة تفشي فيروس “إيبولا” في جمهورية الكونغو الديمقراطية وجارتها أوغندا، معلنةً حالة طوارئ صحية ذات اهتمام دولي بعد الارتفاع المقلق في معدلات الإصابة.
ويتزامن هذا التفشي الوبائي الجديد مع تعقيدات أمنية وإنسانية حادة في مناطق شرق الكونغو، لا سيما في مقاطعة إيتوري التي تعد بؤرة الوباء، مما يعيق وصول المساعدات الطبية والفرق الإنسانية لمجابهة المرض، فضلاً عن رصد حالات إصابة مؤكدة انتقلت جغرافياً إلى العاصمة الأوغندية كامبالا ومناطق أخرى، وهو ما أثار مستويات إنذار مرتفعة لدى السلطات الصحية العالمية من مخاطر تحول هذا التفشي إلى موجة وبائية عابرة للحدود.
وما يضاعف القلق الطبي الدولي في هذه الموجة الوبائية الحالية هو كشف الفحوصات المختبرية عن أن السلالة المتفشية هي سلالة فيروس “بونديبوجيو” النادرة والخطيرة، وهي سلالة تفتقر حتى الآن إلى أي لقاحات مرخصة أو بروتوكولات علاجية نوعية معتمدة على غرار سلالة “زاير” التي خُصصت لها اللقاحات السابقة.
ورغم إعلان المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس عن بارقة أمل بوقوع حالات شفاء محدودة لمصابين داخل مراكز العلاج في الكونغو، إلا أن الإحصاءات الرسمية الميدانية لا تزال تسجل أرقاماً متصاعدة؛ حيث تجاوزت الحصيلة التقديرية المشتركة في غضون أسابيع قليلة مئات الحالات ما بين إصابات مؤكدة ومشتبه بها، إلى جانب تسجيل مئات الوفيات، مع وجود آلاف المخالطين الذين تجري السلطات المحلية محاولات حثيثة لتتبعهم وعزلهم لمنع اتساع رقعة انتقال العدوى مجتمعياً.
هذه الطوارئ الصحية أحدثت ارتدادات مباشرة على قطاع الطيران وحركة السفر الدولي، حيث سارعت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة وكندا ودول أوروبية ولاتينية عدة إلى إصدار أوامر عاجلة تفرض قيوداً مؤقتة على دخول المسافرين القادمين من مناطق التفشي، جنباً إلى جنب مع تطبيق بروتوكولات فحص صحي صارمة ومشددة في المطارات والمنافذ الدولية الكبرى تشمل قياس درجات الحرارة، وتتبع التاريخ الاستقصائي للسفر، وفرض المراقبة الصحية الذاتية لمدة 21 يوماً للقادمين من شرق وإفريقيا الوسطى، وذلك لضمان الرصد المبكر لأي أعراض قد تتشابه في بدايتها مع الأمراض الفيروسية الشائعة.
ولم تنعزل هذه التطورات الصحية عن المشهد الرياضي العالمي الحاسم؛ إذ تتقاطع هذه الأزمة الوبائية زمنياً مع الاستعدادات النهائية لانطلاق بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، مما دفع اللجنة المنظمة للدورة بالتنسيق مع الجهات الحكومية والصحية الدولية إلى وضع خطط طوارئ صحية استباقية؛ لحماية المنشآت الرياضية والجماهير من تحول المونديال إلى “حدث انتشار واسع النطاق”، وشملت الإجراءات فرض رقابة صحية معقدة واستثناءات مشروطة، حيث قررت السلطات الأمريكية السماح لبعثة منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية بالدخول والمشاركة في البطولة شريطة الخضوع لبروتوكولات فحص دقيقة وعزل مؤقت، معلنةً في الوقت ذاته عدم شمول هذا الاستثناء للجماهير أو المشجعين القادمين من المناطق الموبوءة لحين احتواء الوباء.
ورداً على هذه التحديات اللوجستية والطبية الجسيمة، تحركت القوى الدولية الكبرى لدعم المنظومات الصحية في إفريقيا الوسطى، حيث أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن تقديم حزمة مساعدات ثنائية عاجلة بقيمة 112 مليون دولار مخصصة لتأمين معدات الحماية الشخصية للكوادر الطبية، وتوسيع قدرات التشخيص المختبري، ودعم عمليات تتبع المخالطين.
كما تعهدت المملكة المتحدة بتقديم دعم مالي يصل إلى 20 مليون جنيه إسترليني لمساندة المجتمعات المحلية المتضررة، في وقت تعقد فيه منظمة الصحة العالمية اجتماعات علمية متواصلة لتسريع وتيرة الأبحاث وتجربة المرشحات العلاجية واللقاحات التجريبية المضادة لسلالة بونديبوجيو، محذرةً من أن السيطرة على الوباء تتطلب التزاماً دولياً عالي المستوى وتنسيقاً أمنياً يضمن سلامة الفرق الطبية الميدانية.



