في اليمن، لا تنتهي معاناة المختطف عند باب السجن
خاص
هناك سجن آخر أكبر من الزنازين والجدران والأسلاك. سجن يمتد إلى البيوت الفارغة، والموائد التي غاب عنها المعيل، والأمهات اللواتي يطاردهن الانتظار عاما بعد عام دون خبر أو زيارة أو موعد للإفراج.
خلف الأرقام التي تتحدث عن مئات المختطفين في سجون الحوثيين، تختبئ حكايات طويلة من الاستنزاف الإنساني. حكايات لا تتعلق بحرمان أشخاص من حريتهم فحسب، بل بتحويل أسر كاملة إلى رهائن للفقر والخوف والقلق الدائم.
ومع تجدد المطالبات الحقوقية بالإفراج عن أكثر من مائة مختطف في محافظة ذمار، يعود ملف المختطفين إلى الواجهة بوصفه واحداً من أكثر الملفات الإنسانية إيلاماً في اليمن، وأقلها حضوراً في حسابات السياسة والمفاوضات.
أعمار معلقة
منذ اجتياح جماعة الحوثي للعاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، تحولت حملات الاختطاف إلى سياسة ثابتة استهدفت سياسيين وصحفيين وأكاديميين وتربويين وناشطين ورجال أعمال وشخصيات اجتماعية.
ووفق التقارير منظمة سام للحقوق والحريات ومنظمة مواطنة لحقوق الإنسان والشبكة اليمنية للحقوق والحريات، تعرض آلاف اليمنيين للاعتقال التعسفي والإخفاء القسري خلال السنوات الماضية، في انتهاكات وثقتها أيضاً تقارير أممية متعددة.
لكن المأساة لا تقاس بعدد المختطفين فقط، بل بعدد السنوات المسروقة من أعمارهم. في صنعاء وذمار وإب وعمران وصعدة والحديدة، هناك رجال دخلوا السجون في الثلاثينيات من أعمارهم، وأصبح بعضهم اليوم على أعتاب الشيخوخة دون أن يروا أبناءهم يكبرون. زوجات تحولن إلى معيلات لأسر كاملة. أطفال أكملوا مراحل الدراسة وهم ينتظرون آباءهم. وأمهات رحلن عن الدنيا دون أن يحصلن على فرصة أخيرة لرؤية أبنائهن.
عقاب جماعي
المنظمات الحقوقية تؤكد أن آثار الاختطاف لا تتوقف عند الضحية المباشرة. في تقرير سابق لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، أشارت المفوضية إلى أن الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري يخلفان آثارا اقتصادية واجتماعية ونفسية واسعة تمتد إلى عائلات الضحايا والمجتمعات المحلية.
الباحث الاجتماعي عبد الكريم سعد يقول لـ “الوعل اليمني” إن أخطر ما في ملف المختطفين هو أن العقوبة تتحول من فردية إلى جماعية.
ويضيف: “عندما يختطف رب الأسرة، فإن الأسرة كلها تدخل دائرة العقاب. الدخل يتوقف، والتعليم يتأثر، والحياة الاجتماعية تنهار تدريجياً، ويبدأ أفراد الأسرة رحلة طويلة من المعاناة النفسية والاقتصادية.”
ويشير إلى أن كثيراً من الأسر اضطرت لبيع ممتلكاتها أو الاستدانة لتغطية تكاليف البحث عن المختطفين أو زيارة السجون أو توفير احتياجات أسرهم الأساسية.
وجع الأمهات
في أحد أحياء صنعاء القديمة، لا تزال أم ستينية تحتفظ بملابس ابنها في الخزانة كما تركها قبل سنوات. تقول إحدى قريباتها إن الأم ترفض تغيير مكان أغراضه أو التخلص منها، معتقدة أنه سيعود في أي لحظة. لا تعرف الأسرة مصيره الكامل منذ سنوات. لم تصدر بحقه إدانة قضائية نهائية، ولم يُسمح له بمحاكمة عادلة، ولم يعد إلى منزله. هذه القصة ليست استثناء. في عشرات المدن والقرى اليمنية تتكرر المشاهد ذاتها. أمهات ينتظرن اتصالا أو زيارة أو خبراً يبدد سنوات القلق. وتؤكد منظمات حقوقية أن الإخفاء القسري يظل من أكثر الانتهاكات قسوة، لأنه يحرم الأسرة من معرفة مصير أحبائها ويتركها عالقة بين الأمل والخوف.
أحكام الخوف
منظمة مساواة للحقوق والحريات قالت إن بين المختطفين في ذمار عشرين شابا أ صدرت بحقهم أحكام إعدام وصفتها بالتعسفية. ويثير هذا الملف مخاوف واسعة لدى عائلات المختطفين، خصوصاً مع الانتقادات المتكررة التي وجهتها منظمات دولية لإجراءات المحاكمات في مناطق سيطرة الحوثيين. وكانت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش قد أعربتا في مناسبات مختلفة عن قلقهما من محاكمات تفتقر إلى معايير العدالة والإجراءات القانونية السليمة. ويرى حقوقيون أن استخدام القضاء في القضايا السياسية يزيد من تعقيد الملف ويجعل آلاف الأسر تعيش حالة دائمة من القلق والترقب.
بعيدا عن الجانب الحقوقي، أنتجت سنوات الاختطاف آثار اقتصادية عميقة. ففي بلد يعاني أصلاً من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وفق الأمم المتحدة، فإن فقدان المعيل الرئيسي للأسرة يدفع كثيراً من العائلات نحو الفقر المدقع. تشير بيانات أممية حديثة إلى أن أكثر من خمسة ملايين يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد. وفي ظل هذا الواقع، تصبح خسارة مصدر الدخل كارثة مضاعفة. إيمان محمد، وهي معلمة من محافظة إب، تقول إن شقيقها اختطف قبل سنوات، ومنذ ذلك الوقت تعيش الأسرة على مساعدات الأقارب.
وتضيف: “لم نخسر أخي فقط، بل خسرنا استقرار الأسرة بالكامل. تغيرت حياتنا كلها منذ اليوم الذي اختفى فيه.”
ذاكرة مثقلة
على مدى سنوات الحرب، تبدلت عناوين كثيرة في اليمن. تغيرت الجبهات والتحالفات والاتفاقات والمفاوضات. لكن ملف المختطفين ظل حاضراً بوصفه جرحا مفتوحا لم يلتئم. وفي كل جولة تفاوض جديدة تعود الأسر للسؤال نفسه: هل سيكون أبناؤنا ضمن القوائم المقبلة؟
وفي كل مرة تتأجل الإجابة. يقول الناشط عارف الحضرمي إن قضية المختطفين لم تعد مجرد ملف سياسي أو حقوقي، بل قضية ذاكرة وطنية.
ويضيف: “كل يوم يمر على المختطفين يترك أثراً جديداً في المجتمع اليمني. نحن لا نتحدث عن أفراد فقط، بل عن عائلات وأجيال كاملة تحمل آثار هذه التجربة.”



