تقارير

الحوثيون في الضالع.. جبايات العيد تعمّق الانقسام وتحوّل الأضاحي إلى وسيلة ابتزاز

تقرير: أحمد صالح
خاص

مع اقتراب عيد الأضحى، تتصاعد في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيات الحوثي بمحافظة الضالع معاناة السكان، ليس فقط بسبب الظروف الاقتصادية الخانقة، بل نتيجة ما يصفه الأهالي بـ”سياسة ممنهجة” تنتهجها المليشيات لفرض الجبايات والتضييق على حركة المواطنين والبضائع، حتى وإن تعلّق الأمر بأضاحٍ يرسلها الأهالي لأقاربهم بين الأرياف والمدن.

وتنقسم محافظة الضالع إلى مناطق واقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا، وأخرى تخضع لسيطرة مليشيات الحوثي، ما جعل خطوط التماس والنقاط العسكرية تتحكم في تفاصيل الحياة اليومية للسكان، خصوصًا مع المواسم الدينية والاجتماعية التي تشهد حركة تنقل واسعة بين الأرياف والمدن.

وخلال الأيام التي تسبق العيد، اعتاد سكان الأرياف الواقعة تحت سيطرة الحوثيين على إرسال الأضاحي إلى أقاربهم في المدن والمناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية، سواء لمساعدتهم أو لمشاركتهم طقوس العيد، غير أن هذه الممارسات الاجتماعية التقليدية تحولت -بحسب شهادات السكان- إلى مصدر مضايقة وابتزاز في النقاط العسكرية التابعة للمليشيات.

“الأضحية صارت تهمة”

علي صالح، سائق سيارة دفع رباعي يعمل على خط يربط بين أرياف مديرية قعطبة ومركز المديرية الواقع تحت سيطرة الحكومة، يقول إن نقل الأضاحي أصبح محفوفًا بالمخاطر والاستجوابات المتكررة.

ويضيف لـ”لوعل” أن عناصر الحوثيين يوقفون أي مواطن يحمل أضحية متجهة نحو مناطق الحكومة الشرعية، ويسألونه عمّا إذا كانت مخصصة للبيع أو لأقارب داخل تلك المناطق، موضحًا أن المواطنين يتعرضون أحيانًا للسخرية والاتهامات السياسية.

ويتابع: “إذا قال المواطن إن الأضحية لأحد أقاربه، يبدأ أفراد النقطة بالتهكم عليه، ويقولون له: منزلها لداعشي؟”، في إشارة إلى استخدام المليشيات توصيفات سياسية بحق السكان المرتبطين بمناطق الحكومة الشرعية.

ويؤكد علي أن المليشيات تحاول إجبار المواطنين على بيع مواشيهم داخل مناطق سيطرتها، وتحديدًا في أسواق مديرية دمت، بدلًا من نقلها إلى أسواق قعطبة ومريس الواقعة تحت سيطرة الحكومة، رغم أن العلاقة التجارية والاجتماعية بين تلك المناطق ممتدة منذ عقود.

وبحسب علي، فإن سائقي سيارات النقل باتوا يواجهون ضغوطًا يومية مع اقتراب العيد، خاصة عندما ينقلون أكثر من أضحية في السيارة الواحدة، حيث يُتهمون بتهريب المواشي إلى “مناطق الدواعش”، ويتم احتجازهم أو ابتزازهم ماليًا قبل السماح لهم بالمرور.

ساعات من الاحتجاز

محمد صالح، أحد أبناء مديرية دمت، يروي بدوره تجربة مشابهة تعرض لها أثناء نقله أضحية لأخيه المقيم في منطقة مريس التابعة للحكومة الشرعية.

يقول محمد إنه كان يحمل ماعزين؛ أحدهما له والآخر لأخيه، وعندما وصل إلى نقطة حوثية في منطقة يعيس، أوقفه المسلحون وبدأوا باستجوابه حول سبب نقله للأضحية.

ويضيف أن عناصر النقطة اتهموه بشراء المواشي من دمت بغرض بيعها في مناطق الحكومة الشرعية، رغم تأكيده أن الأضحية مخصصة لأخيه الذي يعيش هناك منذ سنوات.

وبحسب روايته، لم يكتفِ عناصر النقطة بالمنع والاستجواب، بل لمحوا إلى أن شقيقه “يعمل مع الطرف الآخر”، في محاولة لتبرير احتجازه ومنعه من العبور.

ويشير محمد إلى أنه بقي قرابة ساعتين متوقفًا في النقطة العسكرية قبل السماح له بالمرور، بعد أن اضطر لدفع ألف ريال من العملة القديمة كـ”ضريبة” غير قانونية.

سياسة عزل اقتصادي واجتماعي

ولا تتوقف الإجراءات الحوثية -وفق شهادات الأهالي- عند الأضاحي فقط، بل تمتد إلى مختلف جوانب الحركة التجارية والاجتماعية بين مناطق السيطرة المختلفة في الضالع.

ويقول سكان محليون إن المليشيات تفرض قيودًا على المواطنين الراغبين بالتسوق من مناطق الحكومة الشرعية، أو بيع مواشيهم ومنتجاتهم الزراعية هناك، رغم أن تلك الأسواق كانت تاريخيًا تمثل الامتداد الطبيعي لأهالي الأرياف.

وسبق للمليشيات، بحسب الأهالي، أن منعت دخول أسطوانات الغاز القادمة من مناطق الحكومة الشرعية، وقامت باحتجاز عدد منها في النقاط العسكرية، ضمن سياسة تهدف -وفق السكان- إلى إحكام السيطرة الاقتصادية على المواطنين ومنعهم من الاستفادة من فروقات الأسعار.

ويؤكد مواطنون أن كثيرًا من الأسر في مناطق الحوثيين تلجأ إلى شراء احتياجاتها الأساسية من مناطق الحكومة الشرعية بسبب انخفاض الأسعار هناك، خصوصًا الغاز المنزلي والزيوت والمواد الغذائية، مقارنة بالمناطق الخاضعة للمليشيات التي تشهد ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار نتيجة الضرائب والجمارك المتعددة.

جبايات تُربك سوق المواشي

ويرى مراقبون أن سياسة الجبايات الحوثية انعكست بشكل مباشر على سوق المواشي واللحوم في مناطق سيطرتها، حيث يعاني المستهلكون من ارتفاع أسعار الأضاحي، في حين يشكو مربو المواشي من تدني الأرباح بسبب الرسوم المفروضة عليهم في مختلف مراحل البيع والنقل.

ويقول تجار ومربو مواشٍ إن المليشيات تفرض مبالغ مالية متعددة على نقل وبيع المواشي، ما يضاعف تكاليف التجارة ويؤدي في النهاية إلى رفع الأسعار على المستهلكين، بينما يتحمل المزارعون والمربون الجزء الأكبر من الخسائر.

في المقابل، تشهد المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية -بحسب الأهالي- استقرارًا نسبيًا في أسعار الأضاحي، إضافة إلى تعاون اجتماعي أوسع مع اقتراب العيد، وسط رسوم وجبايات أقل مقارنة بمناطق الحوثيين.

ويؤكد سكان أن الأسواق في مناطق الحكومة ما تزال مفتوحة أمام الجميع دون قيود مشددة على حركة المواطنين أو البضائع، الأمر الذي يدفع كثيرًا من سكان مناطق الحوثيين لمحاولة الوصول إليها رغم المخاطر والمضايقات.

ومع اقتراب العيد، تبدو الأضاحي في الضالع أكثر من مجرد شعيرة دينية أو مناسبة اجتماعية؛ إذ تحولت، وفق السكان، إلى عنوان لمعاناة أوسع يعيشها المواطنون في مناطق الحوثيين، حيث تمتد الجبايات والقيود إلى تفاصيل الحياة اليومية، وتصبح حتى محاولات صلة الرحم وتقاسم فرحة العيد خاضعة للحواجز والابتزاز والاتهامات السياسية.