تقارير

إطلاق النار في الأعراس بالضالع: بين فرحة العيد ومخاطر الرصاص الطائش

تقرير /احمد صالح
خاص

تشهد محافظة الضالع وسط اليمن، بالتزامن مع أيام عيد الأضحى المبارك، موجة واسعة من الأعراس التي تنتشر في مختلف المديريات والقرى، في مشهد اجتماعي يعكس تداخل الفرح الشعبي مع الظروف المعيشية الصعبة التي دفعت الكثيرين إلى تحويل الأعياد إلى مواسم للزواج الجماعي والفردي على حد سواء. غير أن هذا الحراك الاجتماعي، الذي يبدو في ظاهره احتفالياً، يترافق مع ظاهرة مقلقة تتجدد كل عام، تتمثل في إطلاق النار العشوائي في الأعراس، وما يرافقه من تهديد مباشر لحياة المدنيين.

وتبرز هذه الظاهرة بشكل واضح في مديريات مثل قعطبة والشعيب، حيث تتحول بعض المناسبات إلى ساحات لإطلاق الأعيرة النارية في الهواء، تعبيراً عن الفرح لدى البعض، أو كجزء من عادات اجتماعية متوارثة، رغم التحذيرات المتكررة من خطورتها. ومع الكثافة السكانية في القرى والأحياء والحركة المستمرة، تصبح هذه الممارسات مصدر قلق دائم، خاصة في ظل تكرار حوادث الإصابة الناتجة عن “الرصاص الراجع”، الذي يسقط بشكل عشوائي على المنازل والطرقات ومناطق التجمعات.

تصاعد الظاهرة

خلال أيام العيد، سجلت عدة مناطق في محافظة الضالع عودة لافتة لظاهرة إطلاق النار في المناسبات، بالتزامن مع انتشار الأعراس في القرى خاصة في منطقة مريس بمديرية قعطبة. ويؤكد سكان محليون أن هذه الممارسات لم تعد حالات فردية معزولة، بل أصبحت سلوكاً متكرراً في عدد من المناسبات، رغم التحذيرات الرسمية السابقة.

ويشير الأهالي إلى أن بعض الأعراس تتحول إلى عروض إطلاق نار مكثفة، تستخدم فيها أسلحة مختلفة، دون مراعاة لخطورة الوضع أو قرب المنازل من أماكن الاحتفال. وفي مناطق مكتظة بالسكان مثل مريس، تصبح أي طلقة نارية محتملة خطراً مباشراً على الأطفال والنساء وكبار السن، خصوصاً مع عدم القدرة على السيطرة الكاملة على اتجاه الرصاص بعد إطلاقه.

وتعيد هذه الظاهرة إلى الواجهة نقاشاً مجتمعياً قديماً حول العلاقة بين السلاح والفرح في بعض البيئات المحلية، حيث ارتبط إطلاق النار في الأعراس تاريخياً بمظاهر الاحتفال وإظهار القوة، قبل أن يتحول في الواقع المعاصر إلى مصدر تهديد حقيقي للأمن المجتمعي.

تحرك أمني

في المقابل، باشرت الأجهزة الأمنية في قسم شرطة مريس اتخاذ إجراءات ميدانية للحد من هذه الظاهرة، حيث أفادت مصادر أمنية لـ”الوعل” بأن قوات الأمن تمكنت من ضبط عدد من الأشخاص المتورطين في إطلاق النار خلال مناسبات مختلفة، فيما تتواصل عمليات التعقب لضبط آخرين.

وتأتي هذه التحركات في إطار تنفيذ قرارات أمنية سابقة صادرة عن قيادة أمن محافظة الضالع، تقضي بمنع إطلاق النار في المناسبات العامة والخاصة، واعتباره مخالفة قانونية تستوجب المساءلة. ووفق المصادر ذاتها، فإن الحملة الأمنية تهدف إلى فرض قدر من الانضباط في المناسبات الاجتماعية، والحد من المخاطر المتزايدة التي تهدد حياة المدنيين.

ورغم هذه الإجراءات، يرى مراقبون أن تنفيذ القرارات على أرض الواقع لا يزال يواجه تحديات، أبرزها الطبيعة الاجتماعية للظاهرة، وصعوبة ضبط جميع الفعاليات في القرى المتعددة، إضافة إلى استمرار بعض الممارسات التي تتم بعيداً عن الرقابة المباشرة.

ومع ذلك، تعتبر خطوات الضبط الأخيرة مؤشراً على توجه أمني أكثر صرامة، خصوصاً في ظل تزايد المطالبات المجتمعية بضرورة وضع حد نهائي لهذه الظاهرة التي تحولت إلى مصدر قلق متكرر في كل موسم عيد.

جدل مجتمعي

على الصعيد المجتمعي، أثارت ظاهرة إطلاق النار في الأعراس جدلاً واسعاً بين مؤيدين لضرورة منعها بشكل صارم، وآخرين يعتبرونها جزءاً من العادات الاجتماعية التي تحتاج إلى تنظيم لا إلغاء كامل.

الناشطون والإعلاميون في المحافظة دعوا إلى ضرورة التعامل الجاد مع هذه الظاهرة، من بينهم الإعلامي علي عميران حذر من استمرار الظاهرة في ظل ما تسببه من إصابات وأضرار مادية على الأخرين. ويؤكد عميران أن الأعراس، التي يفترض أن تكون مساحة للفرح، تتحول في بعض الحالات إلى مصدر خطر حقيقي، خصوصاً مع انتشار الأسلحة الفردية وسهولة استخدامها دون ضوابط.

ويشير عميران إلى أن بعض الحوادث السابقة التي نتجت عن إطلاق النار العشوائي خلفت إصابات بين المدنيين، وأضراراً في الممتلكات، بما في ذلك تضرر سيارات ومنازل وألواح طاقة شمسية، نتيجة سقوط الرصاص بشكل غير متوقع.

في السياق ذاته، دعا الناشط فضل الجلال وهو من أبناء مريس: إلى ضرورة إشراك الوجهاء والشخصيات الاجتماعية في جهود التوعية، باعتبارهم جزءاً أساسياً من النسيج الاجتماعي القادر على التأثير في سلوك الأفراد خلال المناسبات. كما شدد الجلال على أهمية الجمع بين الإجراءات الأمنية الصارمة والحملات التوعوية، لضمان تغيير تدريجي في الثقافة المرتبطة باستخدام السلاح في الأفراح.

من جهة أخرى، يعبر بعض السكان عن قلقهم من أن استمرار هذه الظاهرة يعكس ضعفاً في الالتزام بالقرارات الرسمية، وغياب الردع الكافي، ما يجعل بعض المخالفين غير مكترثين بالعواقب القانونية أو الأخلاقية.

في المحصلة، تعكس محافظة الضالع نموذجاً متكرراً في عدد من المناطق اليمنية، حيث تتداخل مظاهر الفرح مع مخاطر السلاح، في مشهد يضع المجتمع أمام معادلة صعبة بين التقاليد ومتطلبات السلامة العامة. وبينما تتواصل الأعراس في موسم العيد، يبقى الرهان الأكبر على قدرة الجهات الرسمية والمجتمع المحلي على تحويل هذه المناسبات إلى مساحات آمنة، خالية من الرصاص، تحفظ الفرح ولا تحوله إلى خطر.