شهدت العاصمة اللبنانية بيروت تصعيداً ميدانياً خطيراً، إثر غارة جوية إسرائيلية مباغتة استهدفت مبنى سكنياً مؤلفاً من خمسة طوابق في منطقة الضاحية الجنوبية، التي تشكل المعقل الرئيسي لحزب الله.
وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن القصف أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة ستة عشر آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، فضلاً عن إلحاق أضرار بالغة بالطوابق السفلية والمحال التجارية المحيطة.
وقد شوهد مئات السكان، الذين عاد بعضهم مؤخراً إلى المنطقة بعد أسابيع من الهدوء النسبي، وهم يفرون مجدداً وسط حالة عارمة من الذعر جراء الانفجارات وتصاعد أعمدة الدخان في سماء العاصمة.
وجاء هذا الهجوم بقرار رسمي من القيادة الإسرائيلية، حيث أصدر مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتعاون مع وزير الدفاع إسرائيل كاتس بياناً أكدا فيه أن الضربات استهدفت مواقع تابعة لحزب الله رداً على إطلاق ثلاثة مقذوفات صاروخية باتجاه شمال إسرائيل في وقت سابق.
وشدد البيان المشترك على أن تل أبيب لن تتسامح مع أي استهداف لأراضيها، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي تفعيل حالة التأهب القصوى واستعداد قواته للتعامل مع أي ردود فعل عسكرية محتملة قد تنطلق من الأراضي اللبنانية في الساعات المقبلة.
ولم يتأخر الرد السياسي الأمريكي على هذا التصعيد، إذ انتقد الرئيس دونالد ترامب بشدة الغارات الإسرائيلية عبر سلسلة تدوينات على منصته “تروث سوشيال”، مؤكداً أن هذا الهجوم “ما كان ينبغي له أن يحدث”، لا سيما في هذا التوقيت الحيوي الذي تقترب فيه واشنطن من وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق سلام تاريخي ومذكرة تفاهم مع طهران لإنهاء الحرب.
وحث ترامب إسرائيل على التوقف الفوري عن ضرب أي هدف داخل لبنان، كما طالب كافة الأطراف بما فيها حزب الله بوقف هجماتها، واصفاً الصواريخ التي أطلقت نحو شمال إسرائيل بأنها كانت “محدودة للغاية وعديمة الأهمية ولم تسفر عن قتلى أو جرحى”، محذراً الجميع بالقول: “هذه قد تكون بداية سلام طويل وجميل، فلا تفسدوا هذه الفرصة”.
ووفقاً لتقارير صحفية مطلعة، فإن هذا التوتر المفاجئ يضع جهود الوساطة الدولية التي تقودها قطر وباكستان على حافة الخطر، حيث يهدف الاتفاق المرتقب إلى تأسيس إطار عمل مدته 60 يوماً لإجراء مباحثات تقنية تشمل إعادة فتح مضيق هرمز الإستراتيجي وتخفيف مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب الإيراني.
وتعيش الحكومة الإسرائيلية حالة من الإحباط الشديد لشعورها بالتهميش في هذه المفاوضات الجارية في إسلام آباد، وهو ما دفع نتنياهو بحسب مراقبين إلى تحدي رغبة ترامب ومواصلة قصف لبنان لإرسال رسالة عسكرية تفيد بتمسك تل أبيب بقرارها المستقل في مواجهة تهديدات حزب الله وبأنها لن تلتزم بتهدئة تفرض عليها.
وفي المقابل، رفعت إيران من حدة نبرتها الدبلوماسية والعسكرية، حيث وجه رئيس البرلمان الإيراني وأحد كبار المفاوضين، محمد باقر قاليباف، تحذيراً علنياً للولايات المتحدة عبر منصة إكس، أشار فيه إلى أنه إذا كانت واشنطن تفتقر إلى الإرادة أو القدرة على الوفاء بالتزاماتها وكبح حليفتها، فإن الحديث عن مواصلة مسار السلام يصبح أمراً غير ممكن.
وتزامن ذلك مع وعيد صريح أطلقه الجنرال محمد جعفر أسدي، نائب قائد مقر القيادة المشتركة الإيرانية، عبر وسائل الإعلام الرسمية، مؤكداً أن هذه الجريمة الإسرائيلية بحق العاصمة اللبنانية لن تمر دون رد عسكري حاسم من طهران، مما ينذر بتلاشي التهدئة الهشة وتجدد الصراع المباشر الشامل بين الطرفين.



