أخبار العالم

أرمينيا تنتخب برلماناً جديداً وسط استقطاب دولي وتهديدات روسية بـ “سيناريو أوكراني”

توجه الناخبون في أرمينيا، اليوم الأحد، إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في انتخابات برلمانية حاسمة ومصيرية، تُعد بمثابة استفتاء شعبي وجيوسياسي على مستقبل البلاد وتموضعها الاستراتيجي في منطقة جنوب القوقاز.

وفتحت مراكز الاقتراع أبوابها لاستقبال أكثر من 2.4 مليون ناخب مسجل لاختيار أعضاء الدورة التاسعة للجمعية الوطنية (البرلمان)، في أول استحقاق تشريعي منتظم يُجرى في البلاد منذ سنوات، ويأتي بعد سلسلة من الصدمات القاسية والتحولات الجذرية التي أعقبت أزمة السيطرة الكاملة لأذربيجان على إقليم ناغورني قره باغ والنزوح الجماعي لسكانه الأرمن.

وتحولت هذه الانتخابات من مجرد منافسة داخلية تقليدية إلى ساحة كسر عظم وتنافس دولي مباشر ومحتدم علني وسري بين روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حول مستقبل السياسة الخارجية لهذه الجمهورية السوفيتية السابقة.

ويخوض رئيس الوزراء الأرمني الحالي، نيكول باشينيان، الذي يقود حزب “العقد المدني”، ما وصفته الأوساط الإعلامية الدولية بـ “معركة البقاء السياسي” القصوى؛ حيث يراهن على الفوز للحصول على تفويض شعبي متجدد يتيح له المضي قدماً في مشروعه الطموح القائم على “أجندة السلام” والمصالحة الإقليمية الشاملة مع الجارتين الخصمتين تاريخياً تركيا وأذربيجان.

ويدافع باشينيان بقوة عن مساره الهادف لتثبيت اتفاق السلام المبدئي الموقّع برعاية أمريكية، والذي يصفه بـ “الطفل حديث الولادة الذي تجب رعايته لحمايته من التلاشي”، مروجاً لمبادرته الاستراتيجية المعروفة باسم “مفترق طرق السلام” التي تهدف إلى فتح الحدود المشتركة، وتفعيل خطوط السكك الحديدية وشبكات الطرق البرية الدولية لربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب عبر أرمينيا، مما يعد بنهضة اقتصادية وانفتاح تجاري ينهي عقوداً من العزلة الجغرافية للبلاد.

وفي المقابل، تقف قوى المعارضة المتكتلة في جبهة شرسة تتصدرها قوى وشخصيات بارزة مثل “تحالف أرمينيا” بزعامة الرئيس الأسبق روبرت كوشاريان، وحزب “أرمينيا القوية” المدعوم من الملياردير الروسي الأرمني سامفل كارابيتيان، لتشن هجوماً حاداً على سياسات باشينيان.

وتتهم المعارضة رئيس الوزراء الحالي بتقديم “تنازلات مهينة ومجانية” لصالح باكو والتفريط في الأراضي الوطنية والسيادة، محذرة من أن خططه الأمنية قد تقود البلاد إلى جولة جديدة من الهزائم العسكرية.

وتطرح المعارضة كبديل ضرورة العودة الفورية الكاملة إلى المدار الروسي، والتمسك بالتحالف العسكري والأمني والسياسي التقليدي الوثيق مع موسكو، معتبرة أن الانفتاح على تركيا وأذربيجان يمثل تهديداً وجودياً للهوية والأمن القومي الأرمني، مستندة إلى حالة الإحباط والقلق السائدة بين شريحة واسعة من الناخبين المتأثرين بالتبعات الإنسانية والسياسية لملف قره باغ.

وتأتي هذه الانتخابات تحت ظلال كثيفة من الاستقطاب الدولي الحاد والتدخلات الخارجية المتبادلة؛ إذ سارعت الدول الغربية لتقديم دعم سياسي ودبلوماسي واقتصادي غير مسبوق لباشينيان بهدف تقليص الاعتماد على موسكو وإتمام دمج أرمينيا في المنظومة الأوروبية، لاسيما بعد إقدام حكومته على تعليق مشاركتها في منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO) التي تقودها روسيا.

وعبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تأييده الصريح والعلني لباشينيان واصفاً إياه بـ “القائد العظيم والصديق الجيد”، تزامناً مع خطة واشنطن المعروفة بـ “طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي” وتوقيع وزير الخارجية ماركو روبيو لاتفاقية تعاون ثنائي مشترك مع يريفان، وبالمثل كثف الاتحاد الأوروبي مساعداته المالية وتسهيلاته التجارية لتعويض يريفان عن الضغوط والاختناقات الاقتصادية والقيود التجارية التي بدأت موسكو بفرضها مؤخراً على الصادرات الأرمنية لمحاولة إجبارها على التراجع عن طموحات الانضمام للاتحاد الأوروبي.

وعلى الجانب الآخر، ينظر الكرملين بوجس عميق إلى التوجهات السياسية لباشينيان؛ حيث حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بوضوح من أن مساعي أرمينيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي تتطلب “دراسة واعتبارات خاصة”.

ونقلت تقارير استخباراتية وإعلامية غربية عن وجود حملات تضليل وضغوط روسية خفية ومكثفة لدعم المرشحين الموالين لموسكو، ووصل الأمر إلى إطلاق تحذيرات وتلميحات روسية مبطنة بإمكانية مواجهة يريفان لـ “سيناريو أوكراني” إذا ما استمرت الإدارة الحالية في قطع حبال الوصل الأمنية التاريخية مع روسيا والارتماء بالكامل في أحضان المعسكر الغربي.

وتتجه الأنظار حالياً صوب اللجان الانتخابية لمعرفة قدرة باشينيان على حسم الأغلبية البسيطة اللازمة لتشكيل الحكومة بمفرده، أو ما إذا كانت البلاد ستدخل في تحالفات معقدة أو جولة إعادة برلمانية قد تفتح الباب على مصراعيه لعدم الاستقرار السياسي وتغيير وجه التوازنات الجيوسياسية في منطقة القوقاز بأكملها.